عبد الكريم الخطيب
877
التفسير القرآنى للقرآن
التفسير : قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » . . تجىء هذه الآية بعد ما عرضت الآيات السابقة موقف جماعات المنافقين واليهود ، من النبي والمسلمين ، وكيف ينتهى بهم هذا الموقف إلى خسران الدنيا والآخرة جميعا - فتحمل الآية إلى المؤمنين دعوة مجددة إلى تقوى اللّه ، وإلى إخلاص العبودية له وحده ، وإلى أن يخلى المؤمن نفسه من كل واردة من واردات النفاق ، الذي إن تمكن من صاحبه قتله شر قتله ، وصار به إلى أسوأ مصير . . وذلك يكون بأن ينظر المؤمن في أعماله ، وما يقدمه لغده من خير يجده عند اللّه ، وألا يكون حاضره ، وعاجل أمره ، هو الذي يحكم أعماله ، ويوجه تصرفاته ، كما هو الشأن عند المنافقين والضالين ، والكافرين . وتقوى اللّه ، هي خوفه ، واتقاء محارمه . . وفي قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ » دعوة عامة إلى تقوى اللّه ومخافته ، وملء النفس خشية من بأسه ، ونقمته . . ومن تقوى اللّه ، محاسبة المرء نفسه ، ومراجعتها ، في نوازعها ورغباتها . . وأن هذه المحاسبة ، وتلك المراجعة ، لا تعطيان ثمرا طيبا إلا إذا وقف المرء من نفسه موقفا حذرا ، حازما ، حتى يقهر هواها ، ولا تغلبه على أمره ، وذلك لا يكون إلا باستحضار تقوى اللّه ، والخوف من عقابه . . ولهذا جاء قوله تعالى بعد ذلك « واتقوا اللّه » تلك التقوى التي تشهد محاسبة المرء نفسه ومراجعتها بين يدي جلال اللّه ، وعظمة اللّه وسلطان اللّه ، حتى لا يميل مع نفسه ، ولا يغلبه هواها على تقوى اللّه .