عبد الكريم الخطيب
869
التفسير القرآنى للقرآن
الخبر يواجه المنافقين الذين لا يقدرون اللّه حق قدره ، فكان توكيده إشارة إلى ما في قلوبهم من مرض ، وأن أخبار اللّه سبحانه تقع من نفوسهم موقع الشك والارتياب . وهذه الآيات من أنباء الغيب ، التي كشفت الأيام فيما بعد عن تأويلها على الوجه الذي أخبرت به ، والتي سجل بها التاريخ معجزة ناطقة بأن هذا القرآن من لدن عليم خبير . . فلقد نزلت هذه الآيات عقب إجلاء بنى النضير ، ولم يكن هناك ما يشير إلى أن شيئا ما سيحدث بين النبي وبين من بقي من اليهود في المدينة ، وأنه إن حدث شئ فلم يكن أحد يتصور الصورة التي سيكون عليها . . وقد قلنا إن في قوله تعالى في أول السورة : « هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ » - إرهاصا بأن هذا الحشر الذي بدئ به بإخراج بنى النضير ، سيتبعه مثله من الحشر ، لغيرهم من إخوانهم اليهود . . ولكن ما في هذه الآيات لم يكن مجرد إرهاص ، وإنما كان عرضا لأحداث تجرى ، وإخبارا مسبّقة بما ستتمخض عنه هذه الأحداث من وقائع محددة ، كأنها قد وقعت فعلا . . ففي الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات ، كان المنافقون - وعلى رأسهم عبد اللّه بن أبي بن سلول - قد مشوا إلى بني قريظة وغيرهم من يهود المدينة ، وأنذروهم بما يمكن أن يفعل بهم محمد ، كما فعل ببني النضير ، وأعطوهم هذا العهد بأنهم لن يقفوا معهم هذا الموقف الذي وقفوه من بنى النضير ، والذي أخذوا فيه على غرّة ، دون أن تكون هناك فسحة من