عبد الكريم الخطيب
867
التفسير القرآنى للقرآن
وقدّم الإخراج على القتال ، مع أن القتال هو الذي ينبغي أن يكون أولا ، حتى إذا غلبوا على أمرهم أخرجوا - وذلك ليكشف عما في عهد هؤلاء المنافقين من كذب ونفاق . . فهم لو كانوا على ولاء حقا مع إخوانهم هؤلاء ، لحرضوهم على القتال ، ولقالوا لهم : ها نحن أولاء معكم بأسلحتنا إذا وقع بينكم وبين محمدا قتال . . ولكنهم جاءوا إليهم أولا بالأمر الذي لا يكلفهم شيئا أكثر من مجرد الكلام ، وما أكثر الكلام ، وما أرخصه في سوق المنافقين ! ! فبذلوا لهم القول في سخاء ، وبلا حساب ، قائلين : « لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً ! ! » . . ثم رأوا أن هذا القول الذي ألقوا به إلى أسماع إخوانهم الذين كفروا ، هو مجرد كلمة عزاء ، إذ ما ذا يغنى القوم إن أخرجوا من ديارهم وأموالهم أن يخرج معهم المنافقون أو لا يخرجوا ؟ وهنا يتنبه المنافقون حين نظروا في وجه هذا الكلام الذي ألقوا به إلى القوم ، وحين رأوا أن القوم لم يمسكوا بشيء منه ، وأنهم قد أخرجوا من ديارهم ، أو هم على طريق الإخراج من الديار . . حين رأى المنافقون ذلك ألقوا إليهم بهذه القولة الزائفة المنافقة أيضا : « وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ! » . . ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان ، وبعد أن فضح كذبهم ونفاقهم بقولهم أول الأمر : « لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ » . . ولهذا جاء قوله تعالى : « وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » تعقيبا على هذه الوعود الكاذبة التي يبذلها المنافقون لإخوانهم من بنى النضير . . وهو معطوف على محذوف تقديره إن هذا القول يشهد بكذب المنافقين