عبد الكريم الخطيب
863
التفسير القرآنى للقرآن
الذين جاءوا من بعدهم من المؤمنين ، وسلكوا سبيلهم ، وامتلأت قلوبهم بهذه العواطف والمشاعر من الحب والإخاء والمودة للمؤمنين جميعا . . وأنه إذا كانت هجرة المهاجرين إلى الأنصار قد جمعت بين المهاجرين والأنصار على الحب والمودة والإخاء ، فجعلت منهم تلك الهجرة أسرة واحدة ، يقتسم أفرادها السراء والضراء فيما بينهم - إذا كانت الهجرة قد عقدت بين المؤمنين هذا العقد الموثّق - فإنه ليس من الضروري أن تكون هناك هجرة كتلك الهجرة ، حتى ينتظم المؤمن في هذا العقد ، ويأخذ مكانه فيه ، بل إنه من الممكن دائما وفي أي زمان ومكان ، أن يهاجر المؤمن بقلبه ومشاعره إلى إخوانه المؤمنين ، وإنه لمن الممكن دائما وفي كل زمان ومكان ، أن يجعل المؤمن قلبه ومشاعره مهاجرا إلى المؤمنين ، فإذا هاجر إليهم ، وجد في ظلهم الحب والرحمة والإخاء ، وإذا هاجروا إليه نزلوا من قلبه ، ومشاعره منزل الإعزاز والإكرام . . وبهذا يستطيع المؤمن أن يجمع بين الهجرة والنّصرة ، فيكون من المهاجرين ، ويكون من الأنصار . . وذلك إنما يكون حين يفتح قلبه ، لكل مؤمن ، ويخلط مشاعره بكل مؤمن . . فإن كان فقيرا ، وجد لفقره عندهم غنى وإن كان ضعيفا وجد لضعفه فيهم قوة . . وإن كان غنيّا ، وجد فقيرهم من غناه ، غنىّ ، وإن كان قويا وجد ضعيفهم من قوته قوة . . فهذا هو المؤمن ، الذي يدخل مع المؤمنين الداخلين في قوله تعالى : « أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ » . . وفي قوله تعالى : « وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ » إشارة إلى تلك الوسيلة التي يتوسل بها المؤمنون اللاحقون ، إلى أن ينتظموا في سلك المؤمنين من المهاجرين والأنصار . .