عبد الكريم الخطيب

861

التفسير القرآنى للقرآن

مكة قبل الهجرة . . « وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا » أي ولا يجد الأنصار في صدورهم شيئا من الضيق ، أو الألم ، أو الغيرة ، لما أخذ المهاجرون من غنائم بنى النضير . . فقد جعل الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - ما أفاءه اللّه عليه من تلك الغنائم - جعلها في فقراء المهاجرين ، ولم يعط الأنصار منها شيئا ، إلا ثلاثة نفر منهم كانوا على حال ظاهرة من الفقر . . وبهذا العطاء الذي ناله المهاجرون خفّ العبء عن الأنصار الذين كانوا يقاسمون إخوانهم المهاجرين ديارهم وأموالهم . . « وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » الإيثار : هو تقديم حاجة الغير على حاجة النفس ، سخاء وتفضلا . . وهذا لا يكون إلا من نفوس مهيأة للتضحية . . والإيثار : ضد الأثرة ، وهي حب النفس حبّا يعميها عن كل شئ ، فلا يرى المرء إلا ذاته ، ولا يعمل إلا من خلال هذه الذات ، وما يحقق لها من نفع ذاتي لا يشاركها فيه أحد . . والخصاصة : الحاجة ، والفقر الذي يعجز الإنسان عن إدراك الضروري من مطالب الحياة . . أي أن هؤلاء الأنصار ، من طبيعتهم السماحة والبذل ، وإيثار إخوانهم المهاجرين على أنفسهم ، والنزول لهم عن الطيب الأكثر مما في أيديهم ، مع حاجتهم إليه . . وهذا هو الفضل على تمامه وكماله ، حيث يجئ عن حاجة ، ولا يجئ عن غنّى وسعة . . وإذن فهم لا يجدون في صدورهم حاجة من الحسد لما أصاب إخوانهم من خير ، بل إنهم ليجدون في هذا سعادة ورضى لهم . . فإن النفوس الطيبة الكريمة ليسعدها أن تجد الخير يغمر الحياة ، ويعمر البيوت ، ويشيع في الناس الغبطة والرضا . . أما النفوس اللئيمة الخبيثة ، فإنه يزعجها ويسوءها أن ترى خيرا يصيب أي أحد من الناس ، ولو كان من أقرب المقربين إليها . .