عبد الكريم الخطيب
804
التفسير القرآنى للقرآن
ومع هذا ، فإن الآية الكريمة ليست من المتشابه ، بل هي من المحكم الذي يمكن أن يكون لنا نظر فيه ، وفهم له ، وإن كنا لا ندّعى أننا من الراسخين في العلم . ونقرأ الآية الكريمة « لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » . وإنه لكي يقوم لنا فهم صحيح للآية الكريمة ، ينبغي أن نصلها بما قبلها من آيات اللّه ، وأن يكون نظرنا إليها قائما على مراعاة هذا الجوار المرعىّ بين آيات اللّه وكلماته ، وإلا كان هذا قطعا منّا لما أمر اللّه به أن يوصل . والآية التي تسبق هذه الآية وتجاورها ، هي قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . . وهذه الآية - كما أشرنا إلى ذلك من قبل - هي دعوة إلى المؤمنين من أهل الكتاب أن يؤمنوا برسول اللّه ، وأنّ إيمانهم هذا هو الذي سيلحقهم بالمؤمنين ، وينزلهم منازلهم ، ويجعل لهم النور الذي جعله اللّه للمؤمنين يوم القيامة ، وقد فتح اللّه سبحانه هذا المدخل الذي يدخل منه أهل الكتاب إلى هذا المنزل الكريم ، لئلّا يعلموا أنهم لا يقدرون على شئ من فضل اللّه ، ولئلا يقع في تصورهم أنهم محجوبون عن هذا الفضل ، لا يستطيعون بلوغه بحال أبدا ، إذ كان - كما خيّل إليهم - أنه فضل خاص بالعرب وحدهم . . وكلّا فإنه فضل اللّه ، يناله كل مستجيب للّه ، مؤمن برسول اللّه . . وألا فليعلم أهل الكتاب أنهم قادرون على أن ينالوا هذا الفضل ، إذا هم دخلوا فيما دخل فيه العرب . . فإن الفضل بيد اللّه وحده ، لا بيد العرب ، ولا بيد نبىّ العرب ، بل هو بيد اللّه وحده يؤتيه اللّه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم الذي يسع فضله الناس جميعا ، دون أن ينقص منه شئ ! .