عبد الكريم الخطيب
787
التفسير القرآنى للقرآن
نعمة الهداية إليه ، فقد ناسب أن تذكر هنا هذه النعمة الجليلة ، نعمة إرسال الرسل ، وما معهم من كتب الشرائع ، وما في أيديهم من معجزات ، تشهد لهم بأنهم رسل اللّه ، وأن دعوتهم التي يحملونها إلى الناس هي دعوة اللّه . وقوله تعالى : « لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ » هو بيان الحكمة من إرسال الرسل ، وما يحملون إلى الناس من آيات اللّه وكلماته ، وما تحمل هذه الآيات والكلمات من أحكام وشرائع - فالحكمة من هذا ، هي هداية الناس ، وإقامتهم على طريق الحق والخير ، لتطيب لهم الحياة ، ولتقوم بينهم روابط الأخوّة والمحبة والتعاون على البر والتقوى . هذا هو المقصد الأول لما يبشر به الرسل في الناس ، من الدعوة إلى اللّه ، وإلى دين اللّه . . ولكن دعوة الخير شئ ، والمدعوون إليها شئ آخر . . إنها أشبه بريح محملة بالطيب ، فتنتعش بها نفوس وتختنق بها نفوس . . أو هي أشبه بالشمس ، تشرق فتكتحل بنورها كثير من الكائنات ، ويحيا بحرارتها كثير من المخلوقات ، على حين يعمى في ضوئها كثير من العيون ، ويموت تحت أشعتها كثير من الجراثيم ، والهوامّ ! وقوله تعالى : « وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ » . نظر أكثر المفسرين إلى « الحديد » هنا ، على أنه إنما ذكر في معرض التعداد لنعم اللّه على عباده ، وأنه إذا كان بعث الرسل نعمة من أجلّ النعم ، فإن الحديد كذلك نعمة من النعم العظيمة ، التي يدفع به الناس عدوان بعضهم على بعض ، كما يتخذون منه أدوات كثيرة غير أدوات الحرب والقتال . عند هذه النظرة وقف المفسرون . . ولم نر أحدا - فيما بين أيدينا من كتب التفاسير - قد جاوز هذه النظرة ، وجعل للحديد شأنا غير هذا الشأن الذي له في حياة الناس ، كمعدن من المعادن التي بين أيديهم . .