عبد الكريم الخطيب
767
التفسير القرآنى للقرآن
وقوله تعالى : « وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » . هو معطوف على قوله تعالى : « أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ » - أي ألم يجئ الوقت الذي تخشع فيه قلوب هؤلاء المؤمنين المنحرفين ، لذكر اللّه ، وما نزل من الحق ، وألا يكونوا كهؤلاء الذين أوتوا الكتاب من اليهود ، الذين قست قلوبهم ، فجفوا دينهم ، وعبثوا بشريعتهم ، وخرج كثير منهم جملة عن دينه وأحكام شريعته ؟ وفي تشبيه هؤلاء المؤمنين المرتابين في دينهم بأهل الكتاب من اليهود - إشارة إلى ما كان بين هؤلاء المؤمنين المنافقين ، وبين هؤلاء اليهود من اجتماع على الكيد للإسلام ، والتربص بالمسلمين . . وفي هذا ما يكشف هؤلاء المرضى من المؤمنين ، وأنّ من ينضوى منهم إلى هؤلاء اليهود ، أو يلقاهم بالمودة ، وهم على هذا الكيد للمؤمنين ، فهو من المنافقين ، وإلا كان عليه أن يعتزل مجالس هؤلاء اليهود ، وأن يقطع حبال الود التي بينه وبينهم ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً » ( 11 : الحشر ) فهذا وجه بارز من وجوه النفاق ، لا يجتمع مع الإيمان في قلب مؤمن أبدا . . وليس القيد الوارد على حال أهل الكتاب في قوله تعالى : « فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ » - ليس قيدا مشتركا بينهم وبين المنافقين وأشباه المنافقين من المؤمنين المخاطبين بهذه الآية ، وإنما هو قيد خاص بأهل الكتاب الذين صاروا إلى تلك الحال من قسوة القلوب والفسوق عن دينهم ، بعد أن تراخى الزمن بينهم