عبد الكريم الخطيب

737

التفسير القرآنى للقرآن

مما تطيب به النفوس ، وتستروح الأرواح . . وكما أن كثيرا من النفوس تختنق بالريح الطيب ، أو تنفر منه ، فكذلك كثير من النفوس ما تتأذى بكلمات اللّه ، وتنفر من سماعها ، فلا تسمح لها بأن تنفذ إلى مشاعرها ووجداناتها ، بلى تجعل أصابعها في آذانها ، كما يجعل من يتأذى بالطيب إصبعيه على أنفه ! ! . ويرى « ابن قيّم الجوزيّة » أن المراد بالكتاب المكنون ، هو الصحف التي بأيدي الملائكة . . ويعلل لذلك بوجوه : منها : أنه وصفه - أي اللّه - بأنه مكنون ، والمكنون : المستور عن العيون ، وهذا إنما في الصحف التي بأيدي الملائكة . . ومنها : أنه قال : « لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » وهم الملائكة ، ولو أراد المؤمنين المتوضئين لقال : لا يمسه إلا المتطهرون . . . فالملائكة مطهّرون ، والمؤمنون المتوضئون متطهرون . ومنها : أن هذا إخبار ، ولو كان نهيا لقال : لا يمسسه ، بالجزم . . . ومنها : أن هذا رد على من قال إن الشيطان جاء بهذا القرآن ، فأخبر تعالى أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين ، ولا وصول لها إليه ، كما قال في « آية الشعراء » : « وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ » ( 210 - 212 ) وإنما تناله الأرواح المطهرة ، وهم الملائكة . . ومنها : أن هذا نظير قوله تعالى : « فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ، كِرامٍ بَرَرَةٍ » ( 12 - 16 : عبس ) . .