عبد الكريم الخطيب
735
التفسير القرآنى للقرآن
الأمر المقسم عليه في ضمانة حقيقة من الحقائق الكبرى ، حيث يعتدل ميزانه مع ميزانها في مقام الإعظام والإجلال ، بمعنى أنه لو احتاج هذا الأمر إلى قسم لما أقسم له إلا بهذه الحقائق العظيمة الجليلة ، المناسبة لعظمته وجلاله . . فإن العظائم كفؤها العظماء ، كما يقولون . ومواقع النجوم ، التي يلوّح بالقسم بها ، قد تكون أفلاكها التي تدور فيها ، وقد تكون منازلها التي تأخذها من النظام العام للفلك . . وعلى أي فإن النجوم حيث تكون هي كائنات عظيمة ، وأن أي نجم منها - على ما يبدو من صغره - هو أكبر من شمسنا التي هي أقرب النجوم إلينا ، والتي يبلغ حجمها مليونا وربع مليون من حجم الأرض ! ولم يقع التلويح بالقسم على النجوم ، بل على مواقعها ، لأن مواقعها تشير إلى أكثر من أمر . . تشير إلى هذا البعد الشاسع الذي بيننا وبينها ، والذي تبلغ المسافة فيه بيننا وبين بعضها ملايين السنين الضوئية ! ! وتشير هذه المواقع إلى المسافات التي بين هذه النجوم التي يبدو لنا بعضها مجاورا البعض . . فهذه المسافات التي تبدو متقاربة ، هي في الواقع ملايين من السنين الضوئية كذلك . . كما تشير هذه المواقع إلى أن النجوم ليست على علو واحد كما يبدو ، وإنما هي في أفلاك بعضها فوق بعض . . وعلى هذا ، فإن النظر إلى مواقع النجوم يكشف عن النجوم نفسها ، كما يكشف عن هذه العوالم الرحيبة التي تسبح فيها ، تلك العوالم التي إن أمكن ضبطها بالأرقام العددية ، وبالصور الحسابية ، فإن الخيال لا يتسع لتصور أفق واحد من آفاق تلك العوالم التي تسبح فيها النجوم . قوله تعالى : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » .