عبد الكريم الخطيب
717
التفسير القرآنى للقرآن
منهم من يجتزئ من هذه المائدة بلقمة هنا ، ولقمة هناك ، ثم إذا به وقد رفع يده عن كل ما على المائدة ، وقطع شهوته عن كل ما يشتهى منها . . وكلا الرجلين ، قد أخذ حاجته ، واستوفى حظه ، ولم يبق له شئ يطلبه من هذه المائدة . . ومع هذا ، فإن استمتاع الأول بهذا الطعام هو أضعاف لذة صاحبه ، حجما ، وعمقا . . دون أن يشعر أىّ منهما أنه في حاجة إلى مزيد ! . هذا ، في لذات الدنيا ، ونعيمها ، وهي - كما قلنا - لذات تنقطع عند أخذ المرء حاجته منها ، ثم تتحول إلى آلام إذا هو جاوز بها هذا الحد . . أما لذات النعيم في الآخرة ، فهي لذات لا تنقطع أبدا ، ولا يملّها المتصل بها ما دام آخذا منها . . ولكن كلّ يأخذ بقدر ما تتسع له طاقته التي تتناسب مع منزلته . . وعلى هذا ، فإن أهل الجنة جميعا في نعيم مقيم ، وفي لذة دائمة مع هذا النعيم . . ولكن كلّ له من النعيم ما يشتهيه ، وله من الاشتهاء ما يناسبه . . ! فهم في جنة واحدة ، ولكل منهم في هذه الجنة جنته ، وما يشتهيه . . أشبه شئ بما في الغابة من مختلف الأحياء التي تعيش فيها . . بعضها يأكل من ورقها ، وبعضها يأكل من ثمرها ، وبعضها يقتات من أعشابها . . وبعضها يتنقل بين أفنانها ، وبعضها يأوى إلى أجحارها . . وكلها هانئ بحياته ، سعيد بعيشه مع الطبيعة التي لبسته . . وكذلك الشأن في أصحاب النار . . تتسع آلامهم وتضيق ، كل حسب طبيعته التي يكون عليها ، والتي هي صورة من عمله ! .