عبد الكريم الخطيب

537

التفسير القرآنى للقرآن

قوله تعالى : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » . هو دعوة للناس إلى أن يستجيبوا لما يدعوهم الرسول إليه ، وأن يقوموا على الأمر الذي خلقهم اللّه سبحانه وتعالى له ، وهو عبادته . . فما خلق الإنسان إلا ليكون عبد اللّه ، عابدا له ، مظهرا بعبوديته وعبادته جلال المعبود ، وعظمته ، وسلطانه . . وليس الجنّ والإنس وحدهما ، هما اللذان خلقا لعبادة اللّه ، بل إن كل مخلوق ، وكل موجود ، خلق لهذه الغاية ، حيث تتجلّى في المخلوقات جميعها ألوهة الإله ، وقدرته ، وعظمته . . واللّه سبحانه وتعالى يقول : « إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً » ( 93 : مريم ) ويقول جل شأنه : « وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ » ( 15 : الرعد ) . . ويقول سبحانه : « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » ( 44 : الإسراء ) . . فالكافر الذي لا يؤمن باللّه ، ولا يسبح بحمده ، هو مؤمن باللّه كرها ومسبّح بحمده قسرا . . فكل ذرة فيه ، وكل جارحة من جوارحه ، تسبح بحمد اللّه ، وتؤدى وظيفتها على الوجه الذي أقامها اللّه سبحانه وتعالى فيه . . فالخلايا التي يبنى منها الكيان الجسدي للإنسان تسبّح بحمد ربها في عملها الذي تؤديه بناء أو هدما في الكيان الإنسانى ، والقلب بخفقاته ، والدم بجريانه في العروق ، والعروق بحملها للدم ، وتغذيتها الجسم به ، والعين في نقلها المرئيات ، والأذن بتلقيها للمسموعات . . وهكذا كل ما في الإنسان - ظاهرا أو باطنا - يسبح بحمد اللّه . . وكذلك الشأن في كل موجودات