عبد الكريم الخطيب
679
التفسير القرآنى للقرآن
وقوله تعالى : « سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ » كناية عن رقابة اللّه سبحانه وتعالى للجن والإنس ، رقابة محكمة ، بحيث لا يفلت أحد منهما من قبضته . . أمّا اللّه سبحانه وتعالى ، فإنه لا يشغله شأن عن شأن ، ولا يعوقه أمر عن أمر . . ولكن في قوله تعالى : « سَنَفْرُغُ لَكُمْ » ما يؤكد للجن والإنس أنهما تحت رقابة خاصة ، على غير تلك الرقابة العامة القائمة من اللّه سبحانه وتعالى على الوجود كله ، إذ هما - كما قلنا - المخلوقان اللذان يناط بهما التكليف ، ويقعان تحت حكم المساءلة والحساب والثواب ، وإذ كان اللّه سبحانه لا يحاسب غيرهما - فيما نعلم - فكأن رقابة اللّه سبحانه وتعالى متجهة كلّها إليهم . . وهذا كله على التمثيل والتشبيه ، وتعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . . وهذا فضل من فضل اللّه تعالى ، على الجن والإنس ، إذ هما من بين المخلوقات على تلك الصفة التي تجعل لهما هذا الامتياز عن المخلوقات جميعها ، والتي تجعلهما في مقام الحضور بين يدي اللّه للمساءلة والحساب . . وهذا الحساب ، وتلك المساءلة - على أي حال يكونان عليها ، وإلى أية نهاية ينتهيان بمن يحاسب ويسأل - دليل على أهلية المحاسب المسؤول ، وعلى أنه له إرادة عاملة . . أما من لا يحاسب ولا يسأل ، فلا تكاد تتضح ملامح شخصيته ، ولا تبين له ذاتية ذات شأن وأثر . . وهذا الوجود على تلك الحال التي عليها الجن والإنس هو - كما قلنا - نعم جليلة من نعم اللّه . . فمن يكذب بهذه النعم ، وهي تشكل وجوده ، وتقيم كيانه ، وترفع قدره في العالمين ؟ هذا ، ويلاحظ أن ألف هاء التنبيه قد حذفت من قوله تعالى : « أَيُّهَ الثَّقَلانِ » في خط المصحف العثماني . . فما حكمة هذا الحذف ؟ .