عبد الكريم الخطيب

630

التفسير القرآنى للقرآن

ونحن إذ نخالف هذا الرأي لا نخالفه ، استكثارا على النبي الكريم أن يضع اللّه سبحانه في يده هذه المعجزة ، فإن ما بيد الرسول من آيات اللّه وكلماته ما لا يبلغ انشقاق القمر شيئا إزاء حرف من كلمة من كلمات اللّه . ! كما لا نخالفه ونحن نعتقد بصحة هذه الأحاديث في سندها إلى أن تصل إلى أصحاب رسول اللّه ، فإننا من صحابة رسول اللّه في مقام الأعمى بين يدي المبصر . . ولكنا إذ نخالف هذه الأخبار ، فإنما نخالفها ونحن في شك من صحة السند . . وإذا شكلنا في السند كان المتن مجرد قول يضاف إلى آخر راو روى عنه . وإننا نخالف هذا القول بانشقاق القمر في عهد الرسول ، لأمور : فأولا : لم يكن الرسول الكريم معجزة متحدية ، قائمة على الزمن ، إلا القرآن الكريم الذي تحدّى به العرب ، وأفحمهم ، وأقام الحجة عليهم . وثانيا : لو صحّ أن يكون للنبي معجزات أخرى متحدية غير القرآن ، لما كان انشقاق القمر واحدة منها ، لأن العرب لم يتحدوه بأن يأتيهم بمعجزة معلقة في السماء ، وإنما كان من تحدّيهم له ما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى : « وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا » ( 90 - 92 الإسراء ) . وثالثا : لو كان انشقاق القمر معجزة متحدية ، لأنذرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، ولحدّد لهم الليلة ، والساعة ، حتى يشهدوا ذلك ، ليكون حجة عليهم . . ولكن الذي ترويه الأحاديث لا يشير إلى شئ من هذا ، ولا يدل على أن قريشا قد رصدت هذه الظاهرة المتحدية . وإنما الذي يفهم من هذه الأحاديث ، أن القمر قد انشق في ليلة ما ، وأن النبي وبعض الناس قد رأوه ، فقال النبي عندئذ : « اشهدوا ! » .