عبد الكريم الخطيب

620

التفسير القرآنى للقرآن

حالة اتصاله بالمرأة ، كان هذا المنىّ قد نضج واستوى ، وحمل في كيانه جرثومة الحياة . . ومما في هذه الصحف . . أن اللّه سبحانه وتعالى ، سيبعث الموتى ، ويخرجهم من الأرض مرة أخرى ، كما كانوا فيها قبل أن يولدوا الولادة الأولى . . ومما في الصحف أيضا ، أن اللّه سبحانه ، هو الذي أعطى من أعطى ، وحرم من حرم . . فكان الغنىّ وكان الفقير « وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى » . . فالإغناء يكون عن عطاء ، والإقناء يكون عن منع . . والإقناء ، ليس من القنية ، كما يقول المفسرون ، الذين جعلوا الإقناء مرادفا للإغناء . . أي أنه سبحانه أعطى ما يغنى الأغنياء ، ويمكنهم من اقتناء الضياع ، والقصور ، والمتاع . . أي أغنى ، وأعطى ما فوق الغنى . وهذا - واللّه أعلم - لا يتفق مع نسق النظم الذي جاءت عليه الآيات ، مقابلة بين الشيء وضده : الضحك والبكاء ، والموت والحياة ، والذكر والأنثى . . إنه لخروج على هذا النسق أن يكون الغنى ، مقابلا للاقتناء الذي هو بمعنى الغنى أيضا ! وذلك من غير داعية تدعو للخروج على هذا النسق . . فقوله تعالى : « أقنى » . . هو - واللّه أعلم - بمعنى منع ، وحرم . . وهو مأخوذ من قنى المرء الشيء ، إذا صانه ، وضن به كأفنى واقتنى ، ومنه قول الشاعر : فاقنى حياءك لا أبا لك إنني في النائبات النازلات لفارس أي صونى حياءك ، وضني به ، ولا تقفى موقفا يكشف هذا الحياء ويعريه . . فالإقناء من اللّه سبحانه وتعالى بمعنى المنع ، أي أنه سبحانه أغنى أناسا ، ومنع المال عن أناس ، ولم يغنهم .