عبد الكريم الخطيب

17

التفسير القرآنى للقرآن

اللّه سبحانه وتعالى قد أوحى إلى نبيه الكريم بهذه الأحرف التي تحمل في كيانها دلالات يعرف النبىّ تأويلها ، بما آتاه اللّه من علم ، شأنه في هذا شأن الأنبياء من قبله ، الذين أوحى اللّه سبحانه وتعالى إليهم بمثل ما أوحى إليه به من هذه الأحرف ، التي هي رموز إلى أمور يعرفون هم تأويلها ، ويشاركهم بنسب مختلفة في المعرفة بعض أتباعهم وحواريهم ، من الراسخين في العلم . فالمراد - واللّه أعلم - بما يوحى به اللّه سبحانه وتعالى إلى النبىّ هنا ، هو بعض ما يوحى إليه ، لا كلّه ، وهو تلك الحروف المقطعة التي بدئت بها بعض السور ، لا كلّ ما أوحى به إليه . وفي قوله تعالى : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ » . . إشارة إلى أن هذا الوحي الذي تلقى به النبىّ صلوات اللّه وسلامه عليه هذه الأحرف ، لم يكن عن طريق الملك الذي اعتاد أن يلقاه ، فيتلقّى منه ما أذن اللّه بوحيه إليه من آياته وكلماته . وإنما كان كلاما من ربّه ، على تلك الصفة التي أشار إليها سبحانه في قوله : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً » . . أي إلهاما منه سبحانه ، حيث يجد الرسول كلمات ربّه قائمة في صدره ، مستولية على كيانه كلّه . . وهذا ما يشير إليه الرسول في قوله : « إن روح القدس نفخ في روعى » . . ومن هنا كان لهذه الأحرف هذا المقام الكريم ، في كتاب اللّه الكريم ، فكانت تلك الأحرف على رأس السّور التي نزلت معها . . هذا ، وسنزيد الأمر بيانا في آخر السورة ، عند تفسير قوله تعالى : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ » .