عبد الكريم الخطيب

506

التفسير القرآنى للقرآن

الناس بما يبشر بالغيث ، فإنّه يضع المشاعر المترقبة للمطر ، المتلهفة عليه ، في موضع متأزم ، بين الخوف والرجاء . . بل إن الخوف ليغلب على الرجاء ، وخاصة إذا كانت الحاجة إلى المطر شديدة ، والطلب له ملحا وهذا هو بعض السرّ في تقديم الخوف على الطمع . . إذ كانت الآية الكريمة من جهة أوّلا إلى من يقيمون حياتهم على ماء المطر ، مثل سكان الصحارى ، ونحوها . فهؤلاء إذا تأخر نزول المطر أياما ، وأمسكت السماء رحمتها قليلا عنهم ، فزعوا ، واضطربوا ، وتعلقت أنظارهم بالسماء ، يرقبون السحب ، ويرصدون مسيرتها . فإذا لمع البرق ، بدا لهم منه الوجه الضاحك المبشر بالخير ، فقرحوا ، واستبشروا . . ولكن سرعان ما يطلع عليهم شعور أسود كالح ، يقطع عليهم هذه الفرحة ، كأنه يقول لهم : وما يدريكم أن وراء هذا البرق مطرا ؟ ألا يجوز أن يكون برقا خلبا ؟ وهنا يأخذ الخوف مكان الصدارة على مشاعرهم ، شأن الحريص على الشيء ، المتلهف إليه . . . يغلب عليه الخوف على فقده أكثر من الطمأنينة إلى بقائه ! . قوله تعالى : « وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ » قيام السماء والأرض بأمر اللّه ، هو حفظ نظامهما ، والإمساك بهما على هذا النظام الذي أوجدهما اللّه سبحانه وتعالى عليه . . وأمر اللّه ، هو سلطانه وقدرته . ، وهذا يعنى أنه إذا ساغ لتفكير إنسان أن يضيف هذا الوجود ، في أرضه وسمائه إلى غير اللّه سبحانه ، كما يقول بذلك الملحدون من الطبيعيين الذين ينسبون الموجودات إلى الطبيعة ، ويقولون إن الأشياء وجدت هكذا بطبيعتها - نقول إنه إذا ساغ لتفكير إنسان أن يقول مثل هذا القول ،