عبد الكريم الخطيب

504

التفسير القرآنى للقرآن

شاعر الإنسان ، وتستيقظ روحه ، ومن هنا يكون مهيئا للاتصال بالعالم العلوي ، والوقوف على موارده ، والري من مشاربه . . ! ولأن الليل هو الظرف الطبيعي للنوم - كما قلنا - فقد أقسم اللّه سبحانه وتعالى به ، وسمى سورة من القرآن الكريم به ، تنويها بقدره ، وإشارة ترفع تلك الغشاوة التي تنظر إليه نظرة باردة ، أو شاردة ، أو متهمة . . فقال تعالى : « وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى * وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى » ( 1 - 2 الليل ) وقال سبحانه : « وَالشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها ، وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها * وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها » ( 1 - 4 : الشمس ) وقال سبحانه : « وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ » ( 17 : الانشقاق ) . - وفي عطف النهار على الليل في قوله تعالى : « وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ » - تقرير لتلك الحقيقة الواقعة ، وهي أن الليل ، وإن كان هو الظرف الطبيعي للنوم ، فإن ذلك لا يمنع أن يكون النهار ظرفا للنوم أيضا ، حيث ينام الناس بالليل ، وينامون كذلك بالنهار ، وإن كان النوم بالليل أصلا ، والنوم بالنهار فرعا . . . ولهذا قدم الليل على النهار في هذا المقام . . ومن جهة أخرى ، نجد في قوله تعالى : « وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ » وإن جاء مجاورا للنهار ، فإنه معطوف على قوله تعالى : « مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ » . . وهذا يعنى أن النهار ، وإن كان الظرف الطبيعي للسعى والعمل ، فإن ذلك لا يمنع من أن يكون الليل ظرفا للسعى والعمل ! كما هو واقع في الحياة . فالناس يعملون بالنهار ، ويعملون بالليل ، كما ينامون بالليل ، وينامون بالنهار . . وعلى هذا يكون مفهوم النظم القرآني هكذا : ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله ، بالليل والنهار . ولكن أين هذا من ذاك ؟ هذا كلام ، وذاك قرآن . . !