عبد الكريم الخطيب
497
التفسير القرآنى للقرآن
أزواجا ، خلق سبحانه للنساء من أنفسهن أزواجا . . فكان الوفاق وكان الائتلاف بين المتزاوجين . . والمراد بقوله سبحانه : « مِنْ أَنْفُسِكُمْ » أي من جنسكم ، وطبيعتكم . . وهذا من شأنه أن يؤلف بين الزوجين ، وأن يجمع بينهما على الأنس ، والمودة . . إذ أن الكائن الحي ، ينجذب بطبيعته إلى ما يشاكله من الأحياء . . فكل جنس يجتمع إلى جنسه ، ويجد الطمأنينة ، والأمن ، والسكينة في جواره . سواء في هذا ، الإنسان ، والطير ، والوحش ، والذر . . حتى النبات . . فإنه يزكو ، وبنضر ، ويزهو في المغارس التي نجمع الجنس منه إلى الجنس . وفي قوله تعالى : « لِتَسْكُنُوا إِلَيْها » بيان لهذه النعمة ، وكشف عن وجه الحكمة فيها ، وهي أنه باجتماع الإنسان إلى الإنسان ، والذكر إلى الأنثى ، تستريح النفس ، وتسكن المشاعر ، وتطمئن القلوب . . وإنه لا نعمة أجل ولا أعظم من نعمة تفيض على الإنسان الأمن والسكينة . وفي قوله تعالى : « وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً » - إشارة إلى أن المودة والرحمة أمران يتولدان من الألفة والسكن ، وأنه لولا السكن والائتلاف ، ما قامت مودة ورحمة . . لهذا جاء النظم القرآني مفرقا بين الأمرين ، فجعل المشاكلة في الطبيعة البشرية بين الناس ، ذكورا وإناثا - خلقا ، أي في أصل الخلقة ، على حين جعل المودة والرحمة ، عرضا من أعراض هذه الطبيعة ، وثمرة من ثمراتها ، فعبر عنها بلفظ « الجعل » . « وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً » . . وهذا إعجاز من إعجاز القرآن ، الذي يتجلى في روعة أسلوبه ، وجلال صدقه . . إذ ليس كل لقاء بين طبيعتين متماثلتين يحدث الرحمة والمودة ، وإن كان من شأنه أن يجمع ، ويقرب . . فإن المودة والرحمة ثمرة احتكاك ، وتجاوب ، بين النفوس ، وجهد مبذول ، ومعاناة معطاة من كل نفس ، وعلى قدر هذا الجهد