عبد الكريم الخطيب

493

التفسير القرآنى للقرآن

ويأنس به القلب ، وتصفو به النفس ، الأمر الذي من شأن العبادات أن تترك آثاره في العابدين . - وفي قوله تعالى : « يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ، وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » دعوة إلى القراءة الواعية في صحف الطبيعة ، وما فيها من آيات الخلاق العظيم . . ففي كل نظرة يلقيها الإنسان على أي موقع من مواقع الحياة ، يرى حياة تخرج من موات ، ومواتا يخرج من حياة . . الشيء وضدّه ، يتبادلان موقفهما . . فالميت يأخذ مكان الحىّ ، والحىّ يحل مكان الميت ، حتى لكأنهما كائن واحد لا فرق بينهما ، في حالي الحياة والموت . . وهذا من عجيب قدرة اللّه ، وبسط سلطانه على المخلوقات . وفي قوله تعالى : « وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ » إشارة إلى أن خروج الموتى من القبور ، لا يخرج عن أن يكون صورة من تلك الصور ، التي تخرج فيها الحياة من عالم الموات . . . وأقرب مثل لهذا ، الأرض الجرداء الجديب ، ينزل عليها الماء ، فتهتزّ وتربو وتنبت من كل زوج بهيج . . فهل تعجز قدرة اللّه أن تنفخ في هذا التراب الهامد ، الذي احتوى أجساد الآدميين ، فإذا هم بشر ينتشرون ؟ واللّه سبحانه وتعالى يقول : « وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً » ( 17 - 18 : نوح ) . . فلم ينكر المنكرون البعث ؟ ولم يجادلون فيه ؟ إنه ليس عن إنكار لقدرة اللّه ، فما ينكر عاقل على هذه القدرة أي شئ . . ولكنه هروب من المسؤولية ، وفرار من مواجهة الحساب يوم القيامة ، وإخلاء النفس من مشاعر الإيمان بالحياة الآخرة ، لتنطلق كما تشاء ، لاهية عابثة ، تنفق كل شئ في سبيل حظوظها الدنيوية ، لا تستبقى للآخرة شيئا ! . . وهكذا يغرر المرء بنفسه ، ويخدع عقله ، ويستجيب لداعى هواه ، فلا يرى من حقائق الأمور إلا ما يتفق وهواه . .