عبد الكريم الخطيب
664
التفسير القرآنى للقرآن
هزّت كيان المسلمين هزا ، ومخضت مشاعرهم كما يمخض اللبن ، حتى تنكشف الرغوة عن الصريح . . كما يقول سبحانه : « وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ » ( 154 : آل عمران ) . قوله تعالى : « وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً » . . العطف هنا على قوله تعالى : « وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا » فهذه حال من تلك الأحوال التي عرضت للمسلمين يومئذ ، وهي أن المنافقين ومن في قلوبهم مرض من المؤمنين ، قد كانوا من الذين ظنوا باللّه ظن السوء . . فكان قولهم في مواجهة هذا الابتلاء ، هو الكفر الصريح : « ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً » . . أي أكاذيب وأباطيل ، وأمانىّ من من الخداع ، والتغرير . . وهكذا تكشف الشدائد والمحن عن معادن الناس ، وعن مطويات الضمائر ، وما تخفى الصدور . . قوله تعالى : « وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً » . . هو معطوف على ما قبله ، وهو بيان لمقولة طائفة من طوائف هؤلاء المنافقين ومن في قلوبهم مرض . . إنهم لم يقفوا عند حدّ هذه الوساوس السوء من الظنون ، بل جاوزوا هذا إلى إذاعتها في الناس ، وإلى تيئيسهم ، وزعزعة إيمانهم . . فينادون في الناس بهذا النداء الشيطاني المشئوم : « يا أَهْلَ يَثْرِبَ