عبد الكريم الخطيب

639

التفسير القرآنى للقرآن

فمن حيث التنجيم . . لم ينزل القرآن جملة واحدة . . بل نزل آية آية ، وآيات آيات ، حسب مقتضيات الدعوة ، ومستلزمات أحداثها . . وقد بين اللّه سبحانه وتعالى الحكمة في هذا ، فقال تعالى : « وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا » ( 106 : الإسراء ) كما زاد ذلك بيانا في قوله سبحانه : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ؟ . . كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً » ( 32 - 33 الفرقان ) . ومن حيث ترتيب النزول . . فقد نزل القرآن لغاية تحقق أمرين : أولهما : اقتلاع الشرك ، الذي كان قد استولى على الحياة الإنسانية كلها ، واغتال مواطن الإيمان في كل بقعة منها . . ليقيم في الأرض مكانا للإيمان باللّه ، حتى يعتدل ميزان الإنسانية ، ويكون لها نهار يدور في فلكها ، مع هذا الليل الطويل الذي تعيش فيه . . وثانيهما : إقامة شريعة في تلك المواطن التي قام فيها الإيمان ، حتى تثبت أصوله ، وتطلع ثمراته ، فيكون منها زاد طيب لأهل الإيمان ، يعيشون فيه ، وتطيب لهم وللناس الحياة معه . . ولتحقيق الأمر الأول ، كانت معركة الإسلام الأولى منحصرة في ميدان الشرك . . ومن هنا كانت آياته التي تنزل في هذه المرحلة من مراحل الدعوة ، جندا مرسلة من اللّه ، تدكّ معاقل الشرك ، وتهدم حصونه ، وتفتح للعقول والقلوب ، الطريق إلى اللّه . . وقد استغرقت هذه المرحلة الجزء الأكبر من الدعوة الإسلامية ، في إقامة الحجج على وجود اللّه ، وكشف البراهين على وحدانيته ، وما له سبحانه من