عبد الكريم الخطيب

456

التفسير القرآنى للقرآن

الآيات بعد هذا حديثا إلى المسلمين الذين كانوا قلة مستضعفة في مكة ، يلقاهم المشركون بالضر والأذى ، ويأخذون عليهم كل سبيل إلى الاجتماع بالرسول ، أو الصلاة في المسجد الحرام ، أو الجهر بتلاوة القرآن . . . إلى غير ذلك مما كانت تضيق به صدور المسلمين ، وتختنق به مشاعر الإيمان في كيانهم ، وتختفى به مظاهره على ألسنتهم وجوارحهم - جاءت هذه الآيات لتفتح للمسلمين طريقا رحبا إلى النجاة من هذا الضيق ، والخلاص من هذا البلاء . . إن أرض اللّه واسعة ، وإذا ضاقت أرض بإنسان فإن من الخير له أن يتحول عنها إلى غيرها ، حيث يجد في الأرض مراغما كثيرة وسعة . . - وفي قوله تعالى : « يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا » وفي إضافة الذين آمنوا إلى اللّه سبحانه وتعالى ، وندائهم إليه من ذاته جل وعلا - في هذا احتفاء بهم ، واستضافة لهم في رحاب رحمة اللّه وفضله وإحسانه . . وذلك لأنهم مدعوون إلى الهجرة من ديارهم ، والانفصال عن أهلهم وإخوانهم ، وذلك أمر شاق على النفس ، ثقيل الوطأة على المشاعر ، التي ارتبطت بالموطن ارتباط العضو بالجسد . . فكان من لطف اللّه سبحانه بعباده هؤلاء المؤمنين ، الذين دعاهم إلى الهجرة من ديارهم - أن استضافهم في رحابه ، وأنزلهم منازل رحمته وإحسانه ، بهذا الدعاء الرحيم ، الذي دعاهم به سبحانه ، إليه . . . « يا عبادي » . . فمن استجاب منهم لهذا النداء ، وأقبل على اللّه مهاجرا إليه بدينه ، تلقّاه اللّه سبحانه بالفضل والإحسان ، وأنزله منزلا خيرا من منزله ، وبدّله أهلا خيرا من أهله ! . وقد استجاب المسلمون لهذا النداء ، فخرجوا مهاجرين إلى اللّه ، أفرادا وجماعات ، وكانت الحبشة أول متجه اتجه إليه المسلمون المهاجرون ، فأنزلهم