عبد الكريم الخطيب
616
التفسير القرآنى للقرآن
وفي هذا الاستفهام فضح لهؤلاء المجرمين ، واستدعاء لكل ذي نظر أن يشهدهم وهم على موقف الهوان ، وفي ثياب الذلة والصغار ، وهم كانوا السادة الذين ورمت أنوفهم كبرا ، وصعّرت خدودهم تيها وعجبا ! وقوله تعالى : « وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها . . وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » . هو ردّ ضمني على ما طلب المجرمون من أن يعودوا إلى الحياة الدنيا مرة أخرى . . والمعنى : أن الهدى بيد اللّه ، وفي قيد مشيئته . . وأنه سبحانه لو شاء لهدى الناس جميعا ، ولكنه سبحانه جعل للجنة أهلها ولها يعملون ، وجعل للنار أهلها ولها يعملون . . وأن مما قضى اللّه به في خلقه أن يملأ النار ويعمرها بمن جعلهم من أهلها ، من الجنة والناس ! وأن هؤلاء المجرمين الذين رأوا مشاهد القيامة ، وعاينوا أهوالها ، وتمنوا العودة إلى الدنيا ، ليستقيموا على طريق الحق والهدى - هؤلاء المجرمون ، لو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه ، ولركبوا نفس الطريق الذي كانوا عليه من قبل ، ولماتوا على الكفر والضلال ، ولكانوا في أصحاب النار ، وذلك لأن قضاء اللّه فيهم قد سبق ، وأنهم لن يخرجوا عما قضى اللّه فيهم ! ويسأل سائل : لما ذا إذن كانت دعوات الرسل ؟ ولما ذا إذن كان العمل ؟ وكان الإيمان والكفر ؟ لم هذا ، وقد سبق القضاء ، ونزل كل إنسان منزله من الجنة والنار منذ الأزل ؟ والجواب على هذا ، قد عرضنا له في مبحث خاص من هذا التفسير ، تحت عنوان : مشيئة اللّه ومشيئة العباد « 1 » .
--> ( 1 ) انظر التفسير القرآني للقرآن - الكتاب الرابع . . ص 263