عبد الكريم الخطيب

613

التفسير القرآنى للقرآن

التي أبلاها البلى ، وبين الحال التي ستصبح عليها لو صحّ أنهم سيبعثون . . ولو أنهم نظروا إلى ما دعاهم اللّه سبحانه وتعالى إليه ، من النظر في قوله تعالى : « وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ » . . وفي قوله : « ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ » - لوجدوا أن لا فرق بين هذا التراب الذي جاءوا منه ، أو تلك النطفة التي تخلقوا منها ، وبين هذا التراب الذي صارت إليه أجسادهم . . بل إن في أجسادهم الغائبة تحت التراب ، إشارات تشير إليهم ، وتاريخا يحدث عنهم ! إنهم - وهم في التراب - أشبه بغائب ترجى له عودة ، وهم لم يكونوا من قبل شيئا ! وشئ يعود إلى أصله ، أقرب في التصور من توقع وجود شئ من عدم ! - وفي قوله تعالى : « بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ » - إشارة إلى أن هؤلاء المشركين على ضلال في حياتهم الدنيا . . قد فتنوا بها ، وأذهبوا طيباتهم فيها ، وأطلقوا لهواهم العنان يذهب بهم كلّ مذهب . . وهذا ما أوقع في تفكيرهم أن لا حياة بعد الموت ، وأن لا حساب ولا جزاء . . . لأن ذلك يعنى أن يعملوا حسابا لهذا الحساب ، وأن يتخففوا كثيرا مما هم فيه من ضلال ، وأن يستبقوا من يومهم شيئا لما بعد هذا اليوم . . وإنه ليس لهم إلى ذلك من سبيل ، وقد غلبتهم أهواؤهم ، واستولت عليهم دنياهم . . وإذن فلا يوم بعد هذا اليوم ، ولا حياة بعد هذه الحياة . . إنهم - والحال كذلك أشبه بالجند في ليلة الحرب . . يقضونها ليلة صاخبة معربدة ، حتى الصباح ، ينفقون فيها كل ما معهم . . ثم ليكن في الغد ما يكون ! ! قوله تعالى : « قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » . توفية الشيء : استيفاؤه وأخذه كاملا وافيا ، وعبّر عن الموت بالتوفى ،