عبد الكريم الخطيب
569
التفسير القرآنى للقرآن
الوالدين ، وهو طاعتهما ، والامتثال لما يدعوانه إليه من شرك وضلال . وإنه لا خيار . . فإن حق اللّه أولى وألزم . . إنه يجبّ كل حق ، ويعلو على كل واجب . . ولكن مع هذا ، فإنه يبقى - مع الاحتفاظ بحق اللّه ، والوفاء به - اللطف ، والرفق ، والمحاسن . . فإن ذلك لا يجور على حق اللّه ولا يؤثر في الإيمان الذي عمر به القلب : « وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما . . وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً » . . فهذا هو أعدل موقف يأخذه الإنسان هنا ، فيحتفظ فيه بحق اللّه ، ولا يجحد بعض ما لأبويه من حقوق . روى عن سعد بن أبي وقاص - رضى اللّه عنه - أنه كان يقول « كنت رجلا برّا بأمى ، فلما أسلمت قالت يا سعد : وما هذا الذي أراك قد أحدثت ؟ لتدعنّ دينك هذا ، أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت ، فتعيّر بي ، فيقال : يا قاتل أمه ! ! قلت لا تفعلي يا أمّه ، فإني لا أدع ديني هذا لشئ . . فمكثت يوما وليلة لا تأكل ، فأصبحت قد جهدت ، فمكثت يوما وليلة لا تأكل ، فأصبحت قد اشتد جهدها . . فلما رأيت ذلك قلت : يا أمه ، تعلمين واللّه لو كانت لك مائة نفس ، فخرجت نفسا نفسا ، ما تركت ديني هذا لشئ . . فإن شئت فكلى ، وإن شئت لا تأكلي ، فلما رأت ذلك أكلت » ! - وقوله تعالى : « وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ » توكيد لما جاء في قوله تعالى : « فَلا تُطِعْهُما » ومعطوف عليه . وسبيل من أناب إلى اللّه ، هو سبيل المؤمنين ، كما يقول سبحانه : « وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً » ( 115 : النساء ) . وقوله تعالى : « ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » قطع لهذا الجدل ،