عبد الكريم الخطيب
561
التفسير القرآنى للقرآن
الجبال ، وإلقاؤها : نزولها من أعلى ، وأخذها مكانا بارزا فوق الأرض ، كما يقول تعالى : « وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها » ( 10 : فصلت ) . . والميد ، والميدان : الاضطراب . . فكما أن السماء تقوم على عمد غير مرئية ، تقوم الأرض كذلك مرتكزة على عمد مرئية هي الجبال . . ولولا ذلك لاضطربت الأرض ، وزالت عن مكانها ، وضاعت معالمها . . وفي هذا إشارة إلى أن السماوات محمولة على أعمدة من قدرة اللّه ، لا تراها الأبصار ، وإنما تعرفها البصائر . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا » ( 41 : فاطر ) . والمراد بالسماوات ، هو العالم العلوىّ ، الذي يقوم فوق عالمنا الأرضي . . فحيث كان الإنسان من الأرض ، فهو واقع تحت العالم العلوىّ . . وفي هذا العالم كواكب ونجوم ، لو اقتربت من الأرض ، أو اقتربت منها الأرض ، لما كانت الأرض إلا نملة في ظلّة من الجبال ، قائمة بلا عمد ! . . هذا ما تراه عين العلم الحديث فيما بين السماء والأرض . . فإذا حجبت عن العيون هذه الرؤية الكاشفة ، فإنها ترى السماء قائمة على الأرض ، كأنها السقف المرفوع . وقوله تعالى : « وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ » . في العدول من الغيبة في قوله تعالى « خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها » إلى الخطاب في قوله تعالى : « وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ » . . في هذا استدعاء للجاحدين الكافرين أن يشهدوا جلال اللّه ، وأن يروا آياته في هذه الظاهرة التي تطلع عليهم في كل حين ، وأنهم إذا كانوا يجدون وجها للمحاولة في خلق السماوات والأرض ، وأن يقولوا : هكذا قامت السماوات والأرض من غير مقيم لهما ، فإنهم لا يجدون ما يقولون في إنزال الماء من السماء ، وفي إخراج النبات من الأرض . . إن ذلك خلق متجدد يحدث كل لحظة من لحظات الزمن . . فإذا سألوا من أنزل هذا الماء ؟ أو من أخرج