عبد الكريم الخطيب

555

التفسير القرآنى للقرآن

والإنسان هو الذي ينسج له الثوب الذي يلبسه إياه . . وهكذا يتنازع الناس هذين الوجهين من كل شئ ، فيذهب بعضهم بالحسن الطيب من الأشياء ، على حين يذهب آخرون بالقبيح الرذل منها . والحسن هو الحسن ، في القول والعمل ، وفي أمور الدنيا والدين جميعا . . ولهذا كانت دعوة الإسلام إلى الإحسان دعوة مطلقة ، غير محصورة في أمر ، أو جملة أمور ، بل إنها دعوة تتناول الأمور كلّها ، وتشمل ظاهر الإنسان وباطنه جميعا ، وفي هذا يقول اللّه تعالى : « وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » ( 195 : البقرة ) ومن الإحسان ، التقوى ، وهي تجنّب الإساءة . . وذلك أن من تجنب السيّئ من الأمور ، فإنه يكون على إحدى منزلتين : إما أن يفعل الحسن ، المقابل لهذا السيّئ الذي تجنّبه ، وهذا هو الأحمد ، والأحسن . . وإما ألا يفعل شيئا ، وإن كان بتجنّبه القبيح ، قد فعل شيئا ، وهو تجنب هذا القبيح ، وقد كان من الممكن أن يفعله . . وهذا الفعل - وإن كان سلبيا - هو حسن في ذاته وحسب الإنسان منه أن يكون قد احتفظ بفطرته على السلامة والبراءة . . ولا شك أن هذه منزلة دون المنزلة الأولى ، منزلة المحسنين العاملين ، حتى لقد أنكر بعض الحكماء على أهل زمانه أن يكون حظهم من الإحسان هو ترك القبيح ، فيقول : إنّا لفى زمن ترك القبيح به * من أكثر الناس ، إحسان وإجمال قوله تعالى : « الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ » . هو بيان للإحسان في منزلته العليا ، التي يتجاوز فيها المحسن ترك القبيح ،