عبد الكريم الخطيب

18

التفسير القرآنى للقرآن

أي أنزلناه على هذا الأسلوب المنجم : « لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ » . . وذلك التثبيت ، هو بهذا الاتصال الدائم بالسماء ، وبتلقّى ما ينزل منها ، حالا بعد حال ، على مدى ثلاث وعشرين سنة ، تنتظم مسيرة الدعوة ، من مبدأ الرسالة إلى خاتمتها . . فعلى كلّ خطوة في هذه المسيرة ، وعند كل موقف من مواقفها ، كان الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - يتلقى أمداد السماء ، ويفتح قلبه وسمعه ، لنداء الحق جل وعلا ، فيما يحمل إليه الملك من كلمات ربّه ، فيجد الرّوح لروحه ، والأنس لنفسه ، والعزاء الجميل لكل ما يلقى من ضرّ وأذى . . « كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ » . . ولو نزل القرآن جملة واحدة ، لما وجد الرسول هذا الذي كان يجده منه ، من أنس دائم ، ومدد ممتد ، من تلك الثمرات الطيبة ، التي ينال غذاءه الروحي منها ، كلّما أحسّ جوعا ، وهفت روحه إلى زاد من مائدة السماء ! ! إنه لو نزل القرآن جملة واحدة ، لكان على النبيّ ، أن يحمل هذا الزاد الكثير معه على كاهله ، ثم كان عليه - كلما أحسّ جوعا - أن يتخير من هذا الزاد طعامه . . ثم كان عليه أن يعدّ هذا الطعام ، وأن يهيئه . . ثم كان عليه أيضا أن يحدد القدر المناسب لحاجته . وهذه كلّها عمليات تستنفد جهدا كبيرا من النبيّ ، وتذهب بكثير من طاقاته الروحية في البحث والإعداد . وهذا على خلاف نزول القرآن منجّما ، حسب الحاجة ، وعند الظروف الداعية . . حيث يجد النبيّ في تلك الحال وجوده كلّه مع آيات اللّه المنزلة عليه ، فتشتمل عليه ، وتنسكب في مشاعره ووجدانه ، وتملأ عقله ، وتلبس روحه . . وشتان بين طعام محفوظ في علب ، وبين هذا الطعام المجتنى من مغارسه لساعته ! قوله تعالى : « وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا » إشارة إلى الصورة التي نزل عليها القرآن ، وأنه جاء أرتالا متواكبة ، ومواكب يتبع بعضها بعضا ، حيث تستطيع العين