عبد الكريم الخطيب
939
التفسير القرآنى للقرآن
أما في الآخرة ، فهو إمام من أئمة الضلال ، وقائد من القواد إلى عذاب الجحيم . . « يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ، وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ » ( 98 : هود ) . وثانيا : لا شك أنه سبحانه وتعالى قادر على أن يعفى أولياءه من البلاء وأن يجعل ابتلاءهم بالسراء لا بالضراء ، وأن يجعلهم طبيعة قائمة على الحمد والشكر ، وفطرة مفطورة على الاحتمال والصبر . ولكن هذا وإن كان مما يفعله اللّه ببعض عباده وأحبابه ، كما كان ذلك لسليمان - فإن هناك درجة فوق تلك الدرجة ، وهي درجة الابتلاء بالضراء ، حيث يجد الإنسان نفسه وكأنه في صراع ضار مع الحياة وخطوبها ، وحيث يرى نفسه وكأنه جبل راسخ شامخ تتحطم على صخوره الصلدة ، الأمواج الصاخبة ، وتتكسر تحت أقدامه القويّة ، العواصف العاتية . . وحيث يرى آخر الأمر وقد انتهى هذا الصراع ، وانجلى غبار المعركة ، وإذا به وبين يديه راية النصر ، وعلى جبينه تاج الفوز والظفر ! لقد كسب المعركة بهذا الجهد الذاتي ، وبهذا الثمن الغالي الذي قدمه من ذات نفسه ، عرقا متصببا وأرقا متصلا ، وعملا دائبا . . وهذا ما يجعل للنصر هذا الطعم الحلو ، الذي لا يعرف مذاقه إلا من ابتلى وصبر ، وجاهد وبذل ، وحرم نفسه النوم في ظل الراحة والرفاهة ، وبات ليله ساهرا ، ونهاره عاملا . . وإنه لفرق كبير بين من يجد بين يديه طعاما طيبا حاضرا عتيدا ، لم يبذل فيه جهدا ، ولم يتكلّف له عملا ، وبين من فرغت يده من كل شئ ، فيجدّ ويعمل في غير وناء أو فتور ، وهو على ما به من حرمان ومسغبة ، حتى إذا اجتمع له من سعيه ما يهيئ به لنفسه طعاما ، كانت عنده كل لقمة من هذا الطعام ، أشهى وأطيب من تلك المائدة الحافلة بطيب الطعام