عبد الكريم الخطيب
935
التفسير القرآنى للقرآن
هذا ما جاء قوله تعالى : « وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ » لينبه إليه ، وليصحّح مشاعر العابدين خاصة ، بهذا الذي كان منه سبحانه لعبده أيّوب - عليه السلام - وما ابتلاه به ، في نفسه ، وأهله ، وماله ، بما لم يكد يبتلى به أحد من عباد اللّه . . ! وقد كان أيوب - عليه السلام - من خير العابدين المقربين إلى اللّه ، حين مسّه الضرّ ، كما كان من خير الصابرين على البلاء ، الطامعين في رحمة اللّه ، المطمئنين إلى قضائه في عباده ، الواثقين بحكمته وبعدله . . بعد أن لبسه الضرّ وعاش فيه . وإذن فليس المؤمنون ، العابدون ، الساجدون ، بمعزل عن الابتلاء بالضرّ والأذى ، بل إنهم أكثر الناس تعرضا للبلوى ، وذلك ليبتلى اللّه ما في صدورهم ، وليمحص ما في قلوبهم . . واللّه سبحانه وتعالى يقول للمؤمنين : « لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً » ( 186 : آل عمران ) ويقول سبحانه : « أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ » ( 2 : العنكبوت ) . فأولياء اللّه وأحباؤه هم أكثر عباد اللّه تعرضا للابتلاء ، إذ كان ذلك هو الدواء المرّ ، الذي تذهب الجرعة ، منه بكثير من أمراض النفوس وعللها ، وهو النار المحرقة ، التي تنصهر في حرارتها معادن الرجال ، فتصفّى من الخبث وتنقّى من الغثاء والزّبد ! وبهذا تظهر عظمة الإنسان ، وتصفو موارده ، ويصبح - على ما يبدو عليه من ضعف ، وفقر - أقوى الأقوياء ، وأغنى الأغنياء ، ينظر إلى الدنيا ، وحطامها ، وما يتفاخر به الناس فيها من مال ، وجاه ، وسلطان - نظرته إلى أطفال يتلهون بلعبهم ، ويزهون بالجديد من ثيابهم ! ثم لعلك تسأل : أما كان غير هذا البلاء ، أولى بهم ، وهم أحباب اللّه وخلصاؤه ؟ أو ما كان الإحسان إليهم بالخير أليق من التوجه إليهم بالمساءة