عبد الكريم الخطيب

925

التفسير القرآنى للقرآن

فإنه مهما بلغ الإنسان من علم ، ومهما أوتى من نفاذ بصيرة ، ومن قدرة على التجرد من الهوى ، ومهما تحرّى العدل واجتهد في تحقيقه ، فإنه قد يقع له أحيانا من المشكلات ما يغيم عليه فيه وجه الحق ، ويغيب عنه وجه الصواب . . ومن هنا كان على من يقوم للفصل في الخصومات ، أن يكون على حذر دائما ، وألّا يعجل بالرأي الذي يظهر له لأول نظرة ، بل يقلب وجوه النظر كلها ، ويعرض بعضها على بعض . . فما كان منها أقرب إلى الحق والعدل أخذ به . . وفي هذا يقول النبي الكريم : « إنما أنا بشر وإنكم لتختصمون إلىّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، فمن قضيت له بحق أخيه ، فإنما ، هي قطعة من النار ، فليأخذها أو يدعها . . » . هذا - واللّه أعلم - هو المقصد الذي جاءت له هذه القصة . . وهي في هذا النظم الذي جاءت عليه ، مؤدية - في أكمل أداء وأتم صورة ، وأعجز إعجاز وإيجاز - المقصد الذي قصدت إليه . أما القصة ، فهي - كما جاءت في روايات المفسرين وأصحاب السير - تتلخص فيما يلي ، وهو مما يروى عن ابن عباس : كان لجماعة زرع ، وقيل كرم تدلّت عنا قيده ، وكان لآخرين غنم ترعى قريبا من هذا الزرع أو الكرم ، فغفل عنها رعاتها ، فانطلقت إلى الزرع ، فانتشرت فيه ، وعاثت في أرجائه . وجاء أصحاب الزرع يشكون أصحاب الغنم إلى داود ، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث ! . . فلما لقى سليمان أصحاب الغنم قال لهم : كيف قضى بينكم ؟ فأخبروه ، فقال : لو وليت أمركم لقضيت بغير هذا ، فلما علم داود بذلك دعاه ، فقال : كيف تقضى بينهم ؟ قال : أدفع الغنم إلى أصحاب الحرث فيكون لهم أولادها وألبانها وصوفها ومنافعها ، ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم ، فإذا بلغ الحرث الحدّ الذي كان عليه ، أخذه أصحاب الحرث ، وردوا الغنم إلى أصحابها . فقضى داود بهذا ! !