عبد الكريم الخطيب
913
التفسير القرآنى للقرآن
على الأشياء حوله ؟ إن هذا المنطق يقضى بأن يغمض الإنسان عينيه ، ثم يضع يده على كتف أي ذي عينين ، ليقوده ويتبع خطاه ! هكذا في تهكم وسخرية ، يلقون هذا المنطق المشرق . . وهكذا يستقبلون الجدّ بهذا الهزل الأحمق . « قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ » . لقد أضرب إبراهيم عن سخفهم هذا ، وقطع عليهم الطريق إلى هذا الهزل الذي أرادوا أن يسوقوه إليه ، ومضى يقرر الحق الذي يدعوهم إليه : « رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ » هذا هو الربّ الذي يجب أن يعبد ، وإن كان لا يرى ، فإن آثاره تدل عليه ، وتشهد على عظمته ، وجلاله ، وقدرته وعلمه ، وقد آمن إبراهيم بهذا الإله ، وشهد شهادة الحق له . . « وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ » . . لقد أسرّ إبراهيم ذلك في نفسه ، وأراد أن يريهم هذا القول في صورة عملية ، بعد أن لم يجد القول آذانا تسمع ، أو قلوبا تعى . . فهذا هو الأسلوب الذي يمكن أن يعامل به الأطفال ، وصغار العقول من الرجال . . وقد صدّر إبراهيم النية التي انتواها في شأن الأصنام ، بالقسم ، حتى يؤكد هذه النية التي صح عليها رأيه في هذا الموقف ، وحتى لا يرجع عنها إذا هو زايل موقفه هذا ، وبردت حرارة الموقف ! . والكيد للأصنام ، هو إعمال الحيلة ، وإحكام التدبير فيما يريده بها . « فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ » . وهكذا كان إبراهيم وتدبيره . . لقد دخل على مرابض الأصنام في غفلة من عابديها ، ثم أعمل فيها يده تحطيما ، وتكسيرا ، حتى جعلها « جُذاذاً »