عبد الكريم الخطيب

904

التفسير القرآنى للقرآن

أَطْرافِها » ؟ فالنقص لأطراف الأرض هو النقص في النعم ، من مال ، ومتاع ، وبنين ، ومن قوة وصحة ، ومن جاه وسلطان ، يقابل ذلك زيادة في هذه النعم ، وذلك بما يقع من تبدل في أحوال الناس . . حيث تنتقل هذه النعم من يد إلى يد ، ومن جماعة إلى جماعة ، ومن أمة إلى أمة ، كما يقول سبحانه وتعالى : « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » . . فيلبس الفقير ثوب الغنى ، كما يلبس الغنىّ ثوب الفقر ، وهكذا الحال في كل نعمة . . فالدنيا : حياة وموت ، وغنى وفقر ، وصحة ومرض . . إلى غير ذلك مما يتقلب فيه الناس من شؤون . . وهذا هو السرّ في التعبير القرآني : « مِنْ أَطْرافِها » حيث أشار ذلك إلى أطراف من الأرض ، أي جوانب منها . وهي الجوانب التي تمثل سلب النّعم ، أما الجوانب الأخرى التي تساق إليها النعم ، فهي مسكوت عنها في هذا المقام ، الذي هو مقام تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين ، الذين طال عليهم العهد وهم في تلك النّعم التي أنستهم ذكر اللّه ، والتي هي على وشك أن ترحل عنهم ، وتفلت من أيديهم . . فإنهم لا يستطيعون دفع بلاء اللّه إذا نزل بهم : « أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ ؟ » . وقد ذهب أكثر المفسّرين إلى أن هذه الآية مدنية في السورة المكية ، وأقاموا معناها على أن نقصان الأرض من أطرافها ، هو إشارة إلى ما يغلب عليه المسلمون من أرض المشركين والكافرين . . وأن المسلمين ينقصون الأرض التي في أيدي الكافرين بالفتوحات الإسلامية ، وبضمها إلى أيديهم . . وهذا المعنى بعيد في نظرنا . . وذلك من وجوه : أولا : أن فتح المسلمين للأرض ، وضمها إلى حوزة الإسلام ليس نقصا للأرض ، بل هو زيادة فيها ، ونماء لها . . إذ كان ذلك الفتح مما يبارك على الأرض خيرها ، ويضاعف ثمرها ، بما ينشر فيها من عدل ، وأمن ، وسلام . .