عبد الكريم الخطيب

1369

التفسير القرآنى للقرآن

كما حثّ سبحانه عباده الذين أجزل لهم العطاء ، وأغدق عليهم الإحسان ، أن يشكروا له ، فقال لداود وآله : « اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً ، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ » ( 13 : سبأ ) . أما ذكر اللّه في ساعة العسرة والضيق ، فإنه أمر يكاد يستوى فيه الناس جميعا ، المؤمنون والمشركون . . كما يقول سبحانه : « وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ » ( 12 : يونس ) فالإنسان هنا هو مطلق الإنسان ، والحكم واقع على الأعمّ الأغلب من الناس . وفي قوله تعالى : « وَكانُوا قَوْماً بُوراً » - إشارة إلى هؤلاء المشركين باللّه ، وإلى أن شركهم هذا قد حرمهم كل خير ، فكانوا بهذا « قوما بورا » أي هلكى ، لا سبيل لهم إلى النجاة من هذا المصير المشئوم الذي هم صائرون إليه . . وقوله تعالى : « فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً ، وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً » في هذا ، التفات إلى هؤلاء المشركين ، الذين يقولون في كلام اللّه ، وفي رسول اللّه هذا القول المنكر ، الذي لا يزال على ألسنتهم ، ولا تزال أصداؤه تطنّ في آذانهم . . فقد سمعوا شهادة آلهتهم فيهم ، وبراءتهم منهم ، بل وقرعهم بمقارع التعنيف والتسفيه ، وأنهم ليسوا أهلا لما ألبسهم اللّه من نعم ، وما دفع عنهم من نقم . . ومن إعجاز القرآن الكريم هنا ، أنه - بكلماته المعجزة - ينقل الناس من الدنيا إلى الآخرة ، ثم يردّهم إلى الدنيا مرة أخرى ، في لحظات عابرة ، يرتفع فيها هذا الحجاز بين الحياة والموت ، وبين الدنيا والآخرة ، وإذا هؤلاء