عبد الكريم الخطيب

1361

التفسير القرآنى للقرآن

قوله تعالى : « أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً » . ثم ها هم أولاء يسلّمون جدلا ، أن يكون محمد رسولا ، يأكل الطعام ويمشى في الأسواق . . ولكن كيف يكون على هذه الحال ، من الضيق في العيش ، وهو على صلة باللّه ، الذي يفيض الخير على الناس ويملأ أيديهم من النعم ؟ ألا يلقى إليه ربّه كنزا من السماء ، ينفق منه عن سعة ، وينال به كلّ ما شاء من متع الحياة ؟ أو لا يجعل له ربّه جنة يأكل منها ، ويعيش في خيرها ، كتلك الجنات التي يملكها أصحاب الجاه والنعمة فيهم ؟ إن الذين يتصلون بالملوك ، والأمراء ، وأصحاب الجاه والغنى ، يعيشون في نعمة ورخاء . . فكيف تكون تلك الحال من الفقر والضيق ، لمن يدّعى أنه على صلة باللّه ، وأنه رسول اللّه ؟ - هكذا يقيس القوم أقدار الناس ومنازلهم عند اللّه ! فعلى قدر ما وسع اللّه لإنسان في الرزق ، يكون - في تقديرهم - على قدر حبّه له ، ومنزلته عنده ! إن مقاييس الناس عندهم بما ملكوا من مال ، وما جمعوا من حطام . . ولم يدخل في حسابهم شئ من كمالات النفس ، وسمّو الروح . . وحسبوا أن هذه الحياة الدنيا هي كلّ ما للإنسان ، فإذا انتهت حياته بموته انتهى كلّ شئ بالنسبة له . . ! ومن هنا كان حسابهم قائما على ميزان فاسد ، لا يقام لشئ وزن فيه ، إلا إذا كان فاسدا معطوبا . . ثم يدور هذا الحديث في القوم ، ويتعاطونه فيما بينهم كما يتعاطون كئوس الخمر . . ثم يكون حصيلة هذا كله ، أن يقولوا : « إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً » ! أي ما تتبعون إن اتبعتم إلا إنسانا سحر ، فاختلط عقله ، واضطرب تفكيره . .