عبد الكريم الخطيب

1298

التفسير القرآنى للقرآن

يتصرف بها ، ويعمل حسب ما يسّره اللّه له . . وهذا يشعر بأن عملها هذا ليس عملا آليا ، وإنما هو عمل عن علم ، ذاتي ، أو خارج عن الذات . . فهو على أي حال عمل يحكمه علم ، حتى يحقق هذا التآلف ، والتجاوب بين موجودات الوجود ، في حمد اللّه وتسبيحه . . وقوله تعالى : « وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ » إشارة إلى علم اللّه سبحانه وتعالى ، المحيط بكل شئ ، والعالم بكل ما يعلم الخلق وما يعملون . . وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أن هذه المخلوقات لها علمها الذي تعمل به ، وأن للّه سبحانه وتعالى علمه ، المحيط بعلمها وعملها جميعا ! قوله تعالى : « وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ » . هو تأكيد لعلم اللّه بعلم المخلوقات ، وبعملها . . إذ هو علم متمكن ، لأنه علم الخالق لما خلق ، ومعرفة المالك لما ملك . . فقد يعلم الإنسان الشيء ولا يملكه ولا يقدر على التصرف فيه بمقتضى ما يعلم منه . . أما علم اللّه فهو علم المالك لما ملك ، يتصرف فيه كيف يشاء ، بما يقضى به علمه ، وحكمته ، وإرادته . وفي قوله تعالى : « وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ » تأكيد للملكية ، وأنها ملكية لا تخرج عن سلطان المالك أبدا ، لا كملكية المالكين لما يملكون . . إذ أن كل ما يملكه الإنسان من شئ ، هو ذاهب عنه ، مقضىّ عليه بالفراق بينه وبين ما ملك . . إما بأن يستهلكه في حياته ، وإمّا بأن يموت عنه ، ويخلّفه وراءه لمن يرثه من بعده . . أمّا ملكية اللّه سبحانه وتعالى لهذا الوجود وما فيه ، فهو ملك لا يخرج من يد المالك أبدا ، مهما تحولت أحواله ، وتبدّلت صوره وأشكاله ، فالمالكون ، وما يملكون صائرون جميعا إلى اللّه . .