عبد الكريم الخطيب
1293
التفسير القرآنى للقرآن
أغوتهم وأضلتهم ، وخيّل إليهم منها أنها أعمال مبرورة ، وأنها غرس في مغارس الخير والإحسان . . وهي في حقيقتها أشبه بالسراب ، يلمع في « قيعة » - جمع قاع - وهو الأرض الفسيحة التي لا زرع فيها . . وفي قوله تعالى : « يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً » إشارة إلى خداع النفس ، بعد خداع البصر بهذا السراب ، فإن لهفة الظمآن ، وحرارة شوقه إلى الماء ، تغطّى على عقله ، فيخال السراب ماء ، مثله كالخائف المذعور ، في سواد الليل ووحشته ، يمثّل له الوهم أشباحا تطلع عليه من كل أفق ، تريد الانقضاض عليه والفتك به . وإلى هذا السراب يشتد طلب الظمآن ، ويسعى حثيثا لاهثا إليه ، وكلما قطع مرحلة وجد السراب يتحرك أمامه ويفلت من بين يديه ، وهكذا حتى تتقطع أنفاسه : « حَتَّى إِذا جاءَهُ » ووصل إلى حيث كان يظن أنه الماء « لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً » ! فتتضاعف لذلك حسرته ، ويشتد يأسه ، وتتقطّع أنفاسه ، وتغلى مراجل غيظه وظمئه . . وليس هذا وحسب ، بل إنه سيجد هناك من يمسك به ، ويقوده إلى موقف الحساب على ما كان منه من كفر ، وضلال . . « وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ . . فَوَفَّاهُ حِسابَهُ . . وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ » ! فالكفر يمحق كلّ عمل وإن كان من باب الخير والإحسان . . لأن كل عمل لا يزكّيه الإيمان ، هو أشبه بالميتة ، لا يؤكل لحمها ، وإن كانت من أطيب الحيوان لحما ! قوله تعالى : « أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً . . فَما لَهُ مِنْ نُورٍ » .