عبد الكريم الخطيب
1286
التفسير القرآنى للقرآن
مكونة من ذرات ، والذّرات - كما عرف العلم - نور من نور . . فكل ذرة مجموعة من الشموس ، تدور في فلك النواة التي للذرة . . فهذه الأجسام المعتمة وغير المعتمة ، من جبال ، ورمال ، وتراب ، وأناسىّ ، ودوابّ ، وعربات ، وسيارات ، ودور ، وقصور ، وشموس وأقمار - هي نور مجسد ، متكاثف . إذا انحلّ إلى ذرات كان كتلا من النور الوهاج . . فالعالم المادىّ - كما يبدو اليوم في مرآة العلم الحديث - هو شموس من نور ، وأن نوره سبحانه ، يتخلل هذا النور ، الذي هو بالإضافة إلى نور اللّه ظلام ، لا تتجلى حقيقته إلا على ضوء نور اللّه ، كما تتجلى حقائق الأشياء التي تقع في محيط المشكاة ، وما يشعّ المصباح الذي فيها من أضواء . فنور اللّه سبحانه وتعالى ، هو الذي يمسك هذا الوجود على نظامه الذي أقامه اللّه عليه ، إذ على هذا النور يدور كل موجود في فلكه ، متناغما متجاوبا مع دورة الموجودات كلها في فلك الوجود . . وهذا ما يشير إلى قوله تعالى : « وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ » . . ( 40 : النور ) وقوله سبحانه : « قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ » ( 15 : المائدة ) وعلى هذا يكون المراد بنور اللّه ، هو ما أودع في الموجودات من سنن ، وما ركّب في المخلوقات من قوى ، وما بعث في الناس من رسل ، وما أنزل من كتب ، ومن دلائل . . ففي كل هذا نور من نور اللّه ، « يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ » ( 16 : المائدة ) ولهذا جاءت هذه الآية : « اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » تالية قوله تعالى : « وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ » وذلك بعد أن كشفت آيات اللّه بأنوارها هذه الغاشية التي غشيت المسلمين من حديث الإفك ، حتى لقد انقشع ظلامها ، وانجلى ليلها عن صبح مشرق مبين . .