عبد الكريم الخطيب

1279

التفسير القرآنى للقرآن

وقد نزلت هذه الآيات البينات ، متضمنة تلك الأحكام الخاصة بحرمات الفروج . وحين انتهت الآيات من بيان هذه الأحكام ، جاء قوله تعالى : « وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ » . . ليذكّر بتحقيق هذا الخبر الذي أعلنته السورة في أول آية منها ، وليلفت الأنظار إلى أن هذه الآيات ، هي الآيات البينات ، التي أشارت إليها الآية الأولى من السورة . . فليتحققوا من هذا الوصف ، وليطلبوه منها ، وليكون لهم منه عبرة وموعظة . . وفي وصف الآيات في أول السورة بأنها « آياتٍ بَيِّناتٍ » ووصفها هنا بأنها « آياتٍ مُبَيِّناتٍ » ما يحقق وصفين لهذه الآيات فهي آيات بينات واضحات مشرقات في ذاتها . . سواء نظر إليها الناظرون ، أو لم ينظروا . . ثم هي مبينات ، تكشف لمن ينظر فيها طريق الحقّ والهدى . . وقدّم وصفها بالبيّنات على وصفها بالمبينات . . لأنها في أول الأمر لم تكن بين يدي الناس ، ولم ينظروا فيها بعد . . فكان وصفها بالبينات وصفا ذاتيا لها ، دون نظر إلى اتصال الناس بها . . فلما نزلت ، واتصل الناس بها كانت مبينة لهم الحق من الباطل ، والهدى من الضلال . . وقوله تعالى : « وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ » معطوف على قوله تعالى : « آياتٍ مُبَيِّناتٍ » أي وأنزلنا إليكم في هذه الآيات مثلا من الذين خلوا من قبلكم . وهذا المثل الذي جاءت به الآيات هنا مشابها ومماثلا لمثل آخر وقع في الأزمنة الخالية - هذا المثل هو حديث الإفك ، الذي رميت به السيدة عائشة - رضى اللّه عنها - ومثله في الذين خلوا من قبل ، هو ما وقع لمريم - عليها السلام لما لقيها به أهلها من اتهام ، حين جاءت إليهم بوليدها تحمله . . وقد برأ اللّه مريم في آيات بينات من كتابه الكريم ، كما قال سبحانه وتعالى في اليهود : « وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً » ( 156 : النساء ) - فقد وصف اللّه سبحانه