عبد الكريم الخطيب
885
التفسير القرآنى للقرآن
العقلية ، ولا تخريج الفلاسفة والحكماء ، وإنما رسالتها تقوم أساسا على تقويم السلوك ، وتهذيب النفوس ، وإقامة مجتمعات إنسانية على مبادئ الخير والعدل والإحسان . ومن هنا ، لا نجد في الشريعة الإسلامية تلك التعريفات الجامعة المانعة - كما يقولون - للخير والشرّ ، والحقّ والباطل ، والحسن والقبيح ، وغير ذلك من الصور التي عنى الفلاسفة والأخلاقيون ، بتحليلها ، والتعرف على عناصرها ، وجمع الصفات المميزة لكل واحد منها . . فإذا قال الفلاسفة والأخلاقيون : « إن الحق هو كذا ، والخير هو كذا ، والحسن كذا - لم نجد في كتاب اللّه ولا سنّة رسوله قولا عن الحق . . ما هو ؟ والخير ما هو ؟ والحسن ما هو ؟ وإنما نجد دعوات إلى الحق ، والخير ، والإحسان ، وإغراء بها ، وتحريضا عليها ، ورصدا للجزاء الحسن لمن استقام عليها . . كذلك نجد عكس هذا ، إزاء كل ما هو باطل ، وشر ، وخبيث ! . ولم يكن إغفال الشريعة الإسلامية لرسم حدود الفضائل ، وتقويم الأخلاق عن تهوين لشأنها ، أو استصغار لخطرها . . وكيف وغاية الشريعة ومقصدها أولا وأخيرا ، إنما هو تقويم الأخلاق ، وتربيتها ، وإقامتها على منهج سليم مستقيم ! وكيف والنبىّ الكريم يجعل عنوان رسالته ، ويحصر مهمة نبوته في هذا المجال وحده : فيقول صلوات اللّه وسلامه عليه : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » ؟ فليس عن تهوين إذن من شأن الأخلاق ، ولا عن استصغار لخطرها ، هذا الاتجاه الذي اتجهت إليه الشريعة في إغفالها البحث عن « ماهية » الأخلاق . . إذ كان مقصد الشريعة وهدفها - كما قلنا - هو الجانب العملي