عبد الكريم الخطيب

1256

التفسير القرآنى للقرآن

جاء صاحبه ليردّ شهادته عليه ، قام من كيانه شهود أربعة ، كلها تصدق هذا اللسان ، الذي لم يصدق أبدا إلا في هذا الموقف ! وهذا هو بعض السر في تقديم اللسان على الأيدي والأرجل فكأنه هو المدّعى ، وكأن شهوده على دعواه . . اليدان والرجلان ! ثم إنما قامت الشهادة عليهم ، أخذوا بذنبهم ، جزاء وفاقا . قوله تعالى : « الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ . . لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ » . تعرض الآية الكريمة هنا دليلا من واقع الحياة ، يشهد لما نطقت به الآيات من براءة أم المؤمنين ، مما رمتها به الألسنة الآثمة من زور وبهتان . . فالسيدة عائشة ، نبتة طيبة ، نبتت في بيت طيب ، لم يعرف عنه في الجاهلية شئ مما كان يأتيه الجاهليون ، من استعلان بالفجور ومباهاة به . . بل كان هذا البيت ، أشبه بنسمة رقيقة ، بين هذه العواصف التي تدوّم وتصخب في بيوت الجاهلين ، من سفك دماء ، واعتداء على الحرمات ، حتى إذا جاء الإسلام كانت أول يد تصافحه ، وأول قلب يتفتح له ، هي يد أبى بكر الصديق ، وهو قلب أبى بكر الصديق . . وما ذاك إلا لأن طبيعته كانت مسلمة ، أو أقرب إلى الإسلام ، من قبل أن يجئ الإسلام ، حتى إذا كان أول صوت يؤذّن بدعوة الإسلام ، كان أبو بكر أول المستجيبين له ، والمتجهين إليه ، حتى لكأنه كان على توقّع له ، وتطلع إليه . . ! ! فمن ظهر هذا الرجل الكريم النبيل جاءت « عائشة » ، وفي بيت هذا الرجل الطاهر العفّ نشأت « عائشة » . . ثم كان أن انتقلت السيدة عائشة ، وهي لا تزال في إهاب الطفولة - انتقلت من هذا البيت الطاهر الكريم ، إلى البيت الأكرم بيت النبوة . . فكان في هذا البيت القدس مرباها في طفولتها ، وصباها ، وشبابها . فشهدت فيه منذ صباها الباكر