عبد الكريم الخطيب
883
التفسير القرآنى للقرآن
دورانها ، وللناس سعيهم في كل وجه ، فيعملون فيما يحسبون أنه خير ، وإن جاء بالشر ! ! « وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » ولو استبان للناس وجه الخير صريحا ، لكان ركب الحياة كلّه متجها إلى هذا الوجه وحده ، ولكان الناس على طريق واحد ! ! ولكن أي ركب هذا الذي يأخذ طريقا واحدا ؟ إنه ركب جامد صامت لا حركة فيه . . إنه أشبه بالتيار الموجب في القوة الكهربائية . . لا يعمل ، ولا يتحرك ، ولا تصدر عنه فاعلية في إحداث حرارة أو ضوء ، إلا إذا اتصل بالتيار السالب ، وتفاعل معه ! . إن معالجتنا للأمور ، لا تظهر نتائجها إلا بعد أن نفرغ منها ، ونخرج من أيدينا ، ولو استدارت لنا عواقب الأمور ، فرأيناها قبل أن نعالجها ، لكان شأننا في الحياة غير هذه الشأن ، فما أخطأ مخطئ ، ولا خسر خاسر ، ولا أصيب مصاب . . وهكذا ، مما يقع للناس ، مما يسوؤهم . . ولكان شاعرا كاين الرومىّ على غير ما كان عليه ، من الخوف ، والتردد ، والعجز ، عن لقاء الحياة . . ولما قال هذا القول ، مصورا به نفسه : أقدّم رجلا رغبة في رغيبة * وأمسك أخرى رهبة للمعاطب ألا من يرينى غايتى قبل مذهبي * ومن أين ؟ والغايات بعد المذاهب ! ونعود فنقول إن الفلسفة الحديثة ، وإن بدأت بالنظر إلى الإنسان ، ممثلا في المجتمع الإنسانى ، فإنها انتهت بالإنسانية ممثلة في الإنسان . . بمعنى أن الإنسان من حيث هو كائن له ذاتيته ، وله مدركاته ، ومشاعره - هذا الإنسان هو الذي أصبح مركز الدائرة التي تدور حولها الفلسفة الحديثة . . وإذا كان لها نظر إلى