عبد الكريم الخطيب
1223
التفسير القرآنى للقرآن
والحقّ أن هذا قياس مع الفارق - كما يقولون - فالزّانى الذي جلد في الزنا إنما ارتكب جريمة ، قامت عليه بالبيّنة ، أو بالإقرار ، أو بالحبل . . وفيها أن من أقرّ على نفسه ، وطلب التطهير ، هو شخص لم يقبل ضميره هذا المنكر ، وأنه طلب بنفسه إنزال العقوبة به ، ومثل هذا لا يمكن أن يشهد زورا ، ومن ثمّ فهو عدل لا تردّ شهادته . . ومن جهة أخرى ، فإن المجلودة أو المجلود في الزّنا ، قد غلبتهما شهوة ، وتسلط عليهما هوى ، وأنهما بهذا قد جنيا على أنفسهما ، أما شاهد الزور هنا ، فهو إنما دخل إلى هذا الأمر لما غلب على طبيعته من فساد ، وليس عن حال طارئة ، أو شهوة غالبة ، ثم إنه بهذا الزور يجنى على نفسه كما يجنى على غيره . . وكذلك الشأن في كل شهادة ، هي في أصلها مؤثرة فيمن شهد عليه . . فردّ شاهد الزور الذي ثبت عليه هذا ، ثم أقيم عليه الحدّ فيه ، هو حماية للناس من أن يجنى عليهم بشهادة الزور ، وقد جرّب عليه هذا ، وأنه إذا كانت شهادته قد ردّت هنا ، ولم يؤخذ بها ، فإنه إذا كان له أن يشهد بعد هذا وأن تقبل شهادته ، فقد يشهد بالزور ، وقد يقضى بما شهد به . . وفي هذا بلاء وشر ، يقع على الناس منه . . وعلى هذا ، فإننا نرى أن المجلود في القذف لا تقبل شهادته أبدا . . وإن قبلت شهادة المجلود في الزنا . . وبهذا يكون الاستثناء في قوله : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا » واقعا على صفة الفسق ، التي تسعها رحمة اللّه ، وتشملها مغفرته . . لأن أمرها يتعلق بحق من حقوق اللّه . . أما شهادة الزور ففيها حق الناس ، الذين تحمل عليهم هذه الشهادة . ويؤيد هذا ما جاء في الرسالة المشهورة المعروفة برسالة القضاء ، والمنسوبة إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه . . وفيها : « المسلمون عدول بعضهم على بعض ، إلا مجلودا في حدّ ، أو مجربا عليه شهادة زور ، أو كان ظنينا في نسب