عبد الكريم الخطيب

1193

التفسير القرآنى للقرآن

وأفضل ذوى الإرادة والاختيار ، الناظر في العواقب ، وهو الإنسان - فيعلم أن النظر في العواقب من خاصية الإنسان ، وأنه - سبحانه - لم يجعل هذه الخاصيّة له ، إلّا لأمر جعله في العقبى ، وإلا كان وجود هذه القوة فيه باطلا ! « فلو لم يكن للإنسان عاقبة ينتهى إليها غير هذه الحياة الخسيسة ، المملوءة نصبا وهمّا وحزنا ، ولا يكون بعدها حال مضبوطة - لكان أخسّ البهائم أحسن حالا من الإنسان ! ! فيقتضى هذا أن تكون هذه الحكم الإلهية ، والبدائع الربانية ، التي أظهرها اللّه في الإنسان عبثا ، كما نبّه اللّه تعالى بقوله : « أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ » . . فإن إحكام بنية الإنسان ، مع كثيرة بدائعها وعجائبها ، ثم نقضها ، وهدمها من غير معنى سوى ما تشاركه فيه البهائم من الأكل والشرب ، مع ما يشوبه من التعب الذي أغنى عنه الحيوان - سفه » « تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا » . قوله تعالى : « فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ » . هو تنزيه للّه سبحانه وتعالى ، أن يكون خلق الخلق عبثا ، وأنه سبحانه يميتهم ، ثم لا يبعثهم . . إن هذا لا يليق بالملك العظيم ، الحقّ ، الذي لا إله إلا هو ربّ العرش الكريم . . وفي وصف اللّه سبحانه وتعالى لذاته الكريمة العلية ، بهذه الأوصاف الجليلة ما يشير إشارة مبينة إلى تقرير هذين الأمرين : الخلق ، والبعث ، وأنهما من شأن « الملك » الذي قام ملكه على الحقّ ، والذي لا إله معه ، يشاركه الخلق والأمر ، فيعطل مشيئته ، أو ينقض حكمته . . ثم إن في وصفه ذاته سبحانه وتعالى بالكرم ، إشارة أخرى ، إلى أن