عبد الكريم الخطيب

873

التفسير القرآنى للقرآن

وتستسيغ طعمه ، لما ترى فيه من خلاص لها من هذا القيد ، الذي أمسك بها عن الانطلاق إلى عالمها العلوي ، حيث تروى ظمأها ، وتبرّد نار أشواقها ، وتنعم في جنات النعيم التي وعد اللّه المتقين . . أما النفس الضالة الآثمة ، فإنما يحضرها عند الموت ، حصاد ما عملت من آثام ، وما ارتكبت من منكرات ، وتشهد ما يلقاها من غضب اللّه وعذابه ، فتكره الموت ، وتجد فيه ريح جهنم التي تنتظرها . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ » ( 93 : الأنعام ) وقوله سبحانه : « فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ » ( 55 : التوبة ) . وفي قوله تعالى : « وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ » إشارة إلى ما يقع للناس في دنياهم مما يرونه شرا أو خيرا . . فذلك كله ابتلاء لهم ، واختبار لما يكون منهم مع الشرّ من صبر أو جزع ، ومع الخير من شكر أو كفر . . فما تستقبله النفوس مما يكره ، هو ابتلاء لها على الرضا بقضاء اللّه ، والتسليم له . . وما تستقبله مما يحبّ ، هو امتحان لها كذلك ، على الشكر والحمد لما آتاها اللّه من فضله وإحسانه . . فالنفوس المؤمنة ، لا تجزع من المكروه ، ولا تكفر أو تبطر بالمحبوب ، لأن كلّا من عند اللّه ، وما كان من عند اللّه فهو خير كله ، محبوب جميعه . . هكذا تجده النفوس المؤمنة باللّه ، العارفة لجلاله ، وعظمته ، وحكمته . . أما النفوس الضالة عن اللّه ، فإنها إن أصابها شئ من الضرّ ، جزعت ، وزادت كفرا وضلالا ، وإن مسّها الخير ، نفرت نفار الحيوان الشرس ، واتخذت من نعمة اللّه سلاحا تحارب به اللّه ، وتضرب في وجوه عباد اللّه . .