عبد الكريم الخطيب
1148
التفسير القرآنى للقرآن
ويستعمل الإتيان في فعل الشر غالبا . . كما في قوله تعالى : « أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ » وقوله : « وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ » . . وقد جاءت الآية هنا بلفظ « الإيتاء » . . « وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ » . . وفي قراءة مشهورة : « والذين يأتون ما أتوا » . . ويقال لها قراءة النبىّ . . وعلى هذه القراءة يكون المعنى : والذين يفعلون المنكر ، وهم على خوف وخشية من ربهم . فإنهم بهذا الخوف وتلك الخشية أهل لأن يكونوا في هذه الأصناف التي ذكرها اللّه سبحانه وتعالى من أصناف المؤمنين . . إذ أن ما في قلوبهم من وجل من لقاء ربّهم وهم على المنكر - سينتهى بهم يوما إلى النزوع عن المنكر ، والوقوف عند حدود اللّه . . وقد يبدو في ترتيب هذه الصفات تقديم وتأخير ، وأنها لم تلتزم الترتيب الطبيعي ، تصاعدا أو تنازلا . . فمثلا . . الإيمان بآيات اللّه . . ينبغي أن يسبق الخشية من اللّه ، وكذلك عدم الشرك باللّه ، وهو سابق للخشية من اللّه ، حيث لا تكون الخشية للّه إلا من قلب مؤمن باللّه ، وبآيات اللّه . . وإنه لا بد لهذا من سر . . فما هو ؟ الجواب - واللّه أعلم - أن هذه الصفات ، وإن أمكن أن تلتقى جميعها في قلب المؤمن باللّه ، إلا أن المؤمنين على حظوظ مختلفة منها . . فبعضهم تغلب عليه صفة الخشية من اللّه ، وبعضهم يؤمن بآيات اللّه ، ولكن تغلبه نفسه ، فلا تتحقق الخشية كاملة من اللّه في قلبه . . وبعضهم يعترف بوجود اللّه ، ويقرّ بوحدانيته إقرارا عقليّا ، كالفلاسفة ونحوهم . ولا يتلقون عن الرّسل ، ولا يأخذون مما معهم من آيات اللّه . . وبعضهم يؤمن باللّه ، وبآيات اللّه ، وبرسل