عبد الكريم الخطيب

1114

التفسير القرآنى للقرآن

إلى الإنسان . . فإن نظر إليه على أنه إنسان يسمو بإنسانيته عن الانتساب إلى عالم الحيوان - كان على مستوى التقدير الأول ، وإن نظر إليه على أنه حيوان ، يريد أن يتحسس طريقه إلى الإنسان - كان على مستوى التقدير الثاني . وانظر : إنه لو ترك للإنسان الحبل على الغارب ، لكان له أن يتصل بأية امرأة يريدها ويشتهيها . . وهذا من شأنه أن يجعل جميع النساء مباحات له . . يتصل بهنّ ، بوسيلة أو بأخرى . . وهذا القدر المحدود المباح له من النساء ، هو استثناء من هذا الحظر العام ، وهو بالقياس إلى الحظر العام ، لا يكاد يعدّ شيئا ، يحسب حسابه . حتى لكأن الحظر العام قائم . . فقوله تعالى : « فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ » تذكير بهذه النعمة ، التي أتاحت للإنسان أن يتصل بالمرأة في هذه الحدود ، وهي وإن وجدها ضيقة ، لا تشبع جوعه الحيواني ، فإن عليه أن يذكر أنه إنسان ، وأنه كان من مطلب الجانب الروحي منه ، ألا يكون هناك هذا المنفذ الذي ينفذ منه إلى المرأة . . ومع ذلك فإنه غير ملوم في الاتصال بالمرأة في هذه الحدود ، وإن جار هذا على الجانب الروحي منه ، وهذا كله يعنى القصد في هذا الأمر ، والاعتدال فيه ، وألا يكون الإنسان على سواء مع الحيوان ! وفي قوله تعالى : « فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ » - تحذير من مجاوزة هذه الحدود ، والانطلاق إلى ما وراءها ، فإن ذلك هو دخول في عالم الحيوان بأربعة أرجل ، وهو عدوان على إنسانية الإنسان ، واعتداء على حدود اللّه ! قوله تعالى : « وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ » - هو من صفات هؤلاء المؤمنين