عبد الكريم الخطيب
1105
التفسير القرآنى للقرآن
الخير معا ؛ فقد خصّ بالذكر هنا لما له من مقام كبير ، بين العبادات وأفعال الخير ، ولما فيه من مخاطرة بالنفس ، والمال ، وهما أعلى ما يملك الإنسان ، وأولى ما يحرص عليه ويضنّ به . - وفي قوله تعالى : « حَقَّ جِهادِهِ » تأكيد لهذا الجهاد ، وبيان للصفة التي يكون عليها ، وهو أن يكون خالصا للّه ، وفي سبيل اللّه ، لا يبتغى به شئ غير وجه اللّه . . وهنا يكون البذل للمال والنفس هيّنا ، إذا نظر إليه في مقابل ثواب اللّه ، وابتغاء رضوانه . - وفي قوله تعالى : « وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ » بتعدية الجهاد بحرف الجر « في » إلى لفظ الجلالة ، « الله » وإلى سبيل اللّه ، كما جرى ذلك في الأسلوب القرآني - في هذا ما يشير إلى قدر الجهاد ، وإلى أنه للّه وحده ، ومن أجل ذاته سبحانه - ولوجهه خاصة - فحرف الجر هنا للسببية . . ومن جهة أخرى ، فإن الجهاد في اللّه هو جهاد عام ، يشمل الجهاد في سبيله وغيره ، كالأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، ومجاهدة النفس ، ونحو هذا ، مما يعلى كلمة اللّه ، ويقيم دعائم الحق ، ويثبت أركانه . . وهذا مثل قوله تعالى : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ » . ( 69 : العنكبوت ) - وقوله تعالى : « هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » هو تعليل للأمر بالجهاد ، وداعية إلى امتثال هذا الأمر ، لأنه صادر من اللّه الذي « اجتبى » أي اختار هذه الأمة . . واصطفاها من بين الأمم لحمل رسالة الإسلام ، آخر الرسالات ، وأكملها ، فهم لهذا مطالبون بأن يكونوا رسلا يحملون دعوة الإسلام ، وجنودا يدافعون عنها ، ويبذلون النفس والمال في سبيلها . . إنها أمانة ، هم أهل لحملها ، إذ قد اجتباهم اللّه لها ، وخصّهم بها . . ثم إن هذه الرسالة - رسالة الإسلام - مع ما فيها من دعوة إلى بذل