عبد الكريم الخطيب
868
التفسير القرآنى للقرآن
فَفَتَقْناهُما » أي فصلنا بعضهما عن بعض . . فكانت السماء ، وكانت الأرض . ثم كانت من السماوات ما فيهن من عوالم ، وكان من الأرض ما فيها من مخلوقات . . كانت السماوات والأرض كتلة ، أشبه بالنطفة التي يتخلّق منها الجنين . . فمن هذه النطفة كان هذا الإنسان ، بل هذا الكون الصغير ، وكان هذا الخلق السوىّ الذي هو عليه . . وقوله تعالى : « وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ » - إشارة إلى هذا العنصر العظيم من عناصر الحياة ، وهو الماء . . فهو أصل كل حىّ ، وبذرة كل حياة في عالمنا هذا الذي نعيش فيه . . فالإنسان ، والحيوان ، والنبات ، قوامها جميعا الماء ، الذي به لبست ثوب الحياة ، ومنه تستمد بقاءها ، ووجودها . . فإذا افتقدت الماء عادت إلى عالم الموات . . وهذه الحقيقة قد أصبحت من مقررات العلم الحديث ، الذي أثبت أن نشأة الحياة على هذه الأرض قد ظهرت أول ما ظهرت على شواطئ الأنهار . . فكانت أول أمرها ظلالا باهتة للحياة ، وإشارة خافته إليها ، ثم أخذت تنمو شيئا في بوتقة الزمن على مدى ملايين السنين ، حتى ملأت هذه الدنيا ، في صور متعددة ، وأشكال مختلفة ، لا تكاد تقع تحت حصر . - وفي قوله تعالى : « أَ فَلا يُؤْمِنُونَ » نخسة لهؤلاء الضالين ، أن يتنبهوا ، وأن يوقظوا عقولهم ، ويفتحوا أبصارهم على هذا الوجود ، وما أبدع فيه الخالق وصوّر . . فلو أنهم أداروا عقولهم على هذا الوجود ، بقلوب سليمة ، ومشاعر متفتحة لا نكشف لهم من أسراره ما يحدّثهم أبلغ الحديث عن قدرة اللّه ، وعلمه ، وحكمته ، المبثوثة في كل ذرة من ذرات هذا العالم . . وإذن لآمنوا باللّه ،